هذا الموضوع قد كتب فيه بعض القدامى والمحدثين [1] ، ولقد بينوا أن الحديث النبوى إنما جاء على الأسلوب المعتاد للعرب في التخاطب، وإن كان قد ارتقى في سلم البيان والبلاغة إلى درجة عالية. أما القرآن فهو أسلوب مبتكر لا شبيه له فيما يعرف من كلام العرب [2]
يقول الباقلانى:"والذى يصور عندك ما ضمنا تصويره، ويحصل لديك معرفته إذا كنت في صنعة الأدب متوسطًا، وفى علم العربية متبينًا أن تنظر أولًا في نظم القرآن ثم في شئ من كلام النبى - صلى الله عليه وسلم -، فتعرف الفصل بين النظمين والفرق بين الكلامين فإن تبين لك الفصل، ووقعت على جلية الأمر وحقيقة الفرق فقد أدركت الغرض، وصادفت القصد"وبعد أن روى للنبى - صلى الله عليه وسلم - سبع خطب وكتابين قال:"فإن كان لك في الصنعة حظ، أوكان لك في هذا المعنى حس، أو كنت تضرب في الأدب بسهم أو في العربية بقسط - وإن قل ذلك السهم أو نقص ذلك النصيب - فما أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن، وبين ما نسخناه لك من كلام النبى في خطبه ورسائله، وما عساك تسمعه من كلامه، ويتساقط إليك من ألفاظه، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بونًا بعيدًا، وأمدًا مديدًا، وميدانًا واسعًا، ومكانًا شاسعًا ... وستعلم لا محالة أن نظم القرآن من الأمر الإلهى، وأن كلام النبى - صلى الله عليه وسلم - من الأمر النبوى ... فإذا أردت زيادة في التبين، وتقدمًا في التعرف، وإشرافًا على الجلية، وفوزًا بحكم القضية، فتأمل هداك الله ما ننسخه من خطب الصحابة و البلغاء لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا من خطب النبى واحد، وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين، وبين شعر الشاعرين، وذلك أمر له مقدار معلوم، وحد ينتهى إليه مضبوط" [3]
ويقول أديب العربية الرافعى:"على أن أعجب شئ أنك إذا قرنت كلمة من تلك البلاغة إلى مثلها مما في القرأن رأيت الفرق بينهما في ظاهره كالفرق بين المعجز وغير المعجزسواء، ورأيت كلامه صلى الله عليه في تلك الحال مما يطمع في مثله، وأحسست أن بينك وبينه صلة تطوع لك"
(1) فمن القدامى: الباقلانى في كتابه إعجاز القرآن. ومن المحدثين: الأستاذ. مصطفى صادق الرافعى في كتابه إعجاز الفرآن والبلاغة النبوية، وأ. د. محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم، والأستاذ. مصطفى الزرقا في رسالته في الحديث النبوى، وأ. د. محمد رجب البيومى في كتابه البيان النبوى، وأ. د. معروف الدواليبى في كتابه المدخل إلى أصول الفقه، والعلامة الزرقانى في كتابه مناهل العرفان، وأ. د. محمد لطفى الصباغ في كتابه الحديث النبوى مصطلحه وبلاغته وكتبه.
(2) ينظر الحديث النبوى مصطلحه وبلاغته وكتبه ص 100
(3) ينظر إعجاز القرأن ص 154,127