وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول:"صبحكم ومساكم"، ويقول:"بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى" [1] فهنا أداء الرسول للحديث تضمن الإشارة بأصبعيه، وتغيير ملامح وجهه. وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين"وضم أصابعه [2] وهنا إشارة النبى مهمة لأهمية الموضوع، وهو ما كان عليه العرب من كراهية البنات، فبين أن من قام عليها بالمؤونة والتربية كان إلى جانبه في الجنة.
والإشارة تختلف تبعًا لنوع الموضوع وأهميته، وموضع المشار إليه، ففى الحديثين السابقين أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يبين مدى قرب كافل اليتيم وعائل البنات منه في الجنة. وفى مواضع أخرى نراه يشير إلى الصدر عند الحديث عن التقوى كما في قوله - صلى الله عليه وسلم:"التقوى ها هنا"وأشار إلى صدره [3] ، وإذا أراد وصف رضاع الطفل وضع سبابته في فيه كما في الحديث الطويل الذى رواه البخارى ومسلم:"ثم أقبل على ثديه فجعل يرضع"يقول راوى الحديث: فكأنى أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وهو يحكى ارتضاعه بأصبعه السبابة في فيه يمصها [4] وإذا أراد أن يؤكد أهمية الموضوع غير جلسته كما في حديث شهادة الزور"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال:"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"وكان متكئًا فجلس، فقال:"ألا وقول الزور"فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (5) "
وكان - صلى الله عليه وسلم - يتأثر بكلامه فيبتسم إذا كان في حديثه ما يستدعى الابتسام،
ويبكى إذا كان في حديثه ما يستحق ذلك، ويدل على ذلك أحاديث كثيرة مشهورة.
ثانيًا: التكرار [5] : النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثًا [6]
(1) رواه مسلم - كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة. وانظره في رياض الصلحين 1/ 157
(2) رواه مسلم - كتاب البر والصلة - باب فضل الإحسان إلى البنات ح (2631)
(3) رواه مسلم 8/ 11
(4) رواه البخارى ومسلم. ويراجع رياض الصالحين - باب ضعفة المسلمين - ص 135
(5) رواه البخارى ومسلم من حديث أبى بكرة نفيع بن الحارث. نزهة المتقين 1/ 268
(5) التكرار مصدر ثلاثى يفيد المبالغة كالترداد مصدر رد عند سيبويه، أو مصدر أصله (التكرير) قلب الياء ألفًا عند الكوفيين، ويجوز كسر التاء، وفسر بعضهم التكرار بذكر الشئ مرتين، وبعضهم فسره بذكر الشئ مرة بعد أخرى، فهو في الأول: مجموع الذكرين. وعلى الثانى: الذكر الأخير. ويراجع تفصيل ذلك في الكليات لأبى البقاء الكفوى ص 297
(6) رواه البخارى والترمذى، وهو في رياض الصالحين - باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب.