تدور على الألسنة كثيرًا كلمتا الجزالة والرقة عند الحديث عن آية قرآنية أو حديث نبوى، أو أبيات من الشعر، ويظن بعض الناس أن هاتين الكلمتين من المدح العام للكلام والذى يقال في كل موضع، وهذا خطأ من القول. وسأبين أولًا معنى الجزالة قبل التطبيق على نماذج من الحديث النبوى، وسيأتى بيان معنى الرقة بعد ذلك والتطبيق على نماذج أيضًا من البيان النبوى.
معنى الجزالة: لكى نقف على الجزالة في البيان النبوى لابد أولًا من بيان معناها اللغوى، ولا يوجد لدينا معجم تاريخى يبين تطور الكلمات على مر الزمان لنعرف متى انتقلت كلمة الجزالة مثلًا من معناها اللغوى إلى معناها النقدى البلاغى،"ولكن المدلول الأول للكلمة يعطى معنى القوة والكثرة، فالحطب الجزل: هو القوى العود الذى تصبر النار بعض الوقت على التهامه ثم قيل - على سبيل المجاز - رجل جزل إذا كان ذا عقل قوى، وشعر جزل إذا تماسك وقوى أسلوبه، ففى الجزالة قوة تقابل الرقة. ويقول صاحب الكليات:"الجزالة هى إذا أطلقت على اللفظ يراد بها نقيض الرقة، وإذا أطلقت على غيره يراد بها نقيض القلة" [1] ، وفى اللسان: الجزالة في الرأى جودته، وفى الكلام: قوته وشدته. واللفظ الجزل: خلاف الركيك، والجزل: العظيم. فالمعنى اللغوى للجزالة يدور حول قوة اللفظ وإحكامه وشدته وعظمته."
وأوفى من تحدث عن الجزالة والرقة ابن الأثير حيث يقول:"الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه، فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحرب، وفى قوارع التهديد، والتخويف، وأشباه ذلك. وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق، وذكر أيام البعاد، وفى استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك. ولست أعنى بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيًا متوعرًا عليه عُنجهية البداوة، بل أعنى بالجزل أن يكون متينًا على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع، وكذلك لست أعنى بالرقيق أن يكون ركيكًا سفسفًا، وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية الناعم الملمس ... وسأضرب لك مثالًا للجزل من الألفاظ والرقيق فأقول: انظر إلى قوارع القرآن عند ذكرالحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى فإنك لا ترى شيئًا من ذلك وحشى الألفاظ، ولا متوعرًا، ثم أنظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة والملاطفات في خطاب الأنبياء وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى فإنك لا ترى شيئًا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفًا ... واعلم أن"
(1) ينظر اللسان مادة"جزل"11/ 109, ومقاييس اللغة 1/ 453, وأساس البلاغة 1/ 123,122, والمصباح المنير ص 39, والكليات ص 353