فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 215

لم يكن يسرد كسردكم كان يحدث بحديث لو عدّه العاد لأحصاه [1] . هذا فيما يتعلق بشخصه، وتمام آلة البيان عنده - صلى الله عليه وسلم -. أما فيما يتعلق بأدائه للحديث فلقد استخدم النبى - صلى الله عليه وسلم - طرقًا مختلفة لأداء الحديث. منها: ما يتصل بالإشارة المفهمة والموضحة، ومنها التكرار لأجل تثبيت المعنى في نفس السامع، ومنها التصوير التعليمى الواقعى [2] وسأركز هنا على هذه الطرق لأنها أبرز طرق الأداء في الحديث النبوى، وتدور في كثير من المواضع.

أولًا: الإشارة المفهمة الموضحة:

كان - صلى الله عليه وسلم - يعتمد على الإشارة المفهمة الموضحة في بعض المواقف لتأكيد أمر ما، و لتثبيت فهمه في أذهان الصحابة. وهذه الإشارة لها مدخل كبير في التعبير لأنها تستلفت النظر، وتنبه الغافل، وتعين على التذكر والحفظ، ولقد ذكر الجاحظ"أن من أصناف الدلالات على المعانى [3] اللفظ، والإشارة ... ، والإشارة تكون باليد، وبالرأس وبالعين، والحاجب، والمنكب ... ، والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هى له، ونعم الترجمان هى عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغنى عن الخط. وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، وحلية موصوفة على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها، وفى الإشارة بالطرف، والحاجب، وغير ذلك من الجوارح مرفق كبير، ومعونة حاضرة في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس. ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا البتة ... هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت [4] "

وكما يلاحظ من كلام الجاحظ أهمية الإشارة في توضيح المعانى وما لها من أثر في البيان.

ولقد استخدم النبى - صلى الله عليه وسلم - أشكالًا مختلفة من الإشارة في أداء الحديث: فإذا أراد أن يبين شدة الأمر ظهر ذلك على ملامحه وفى صوته، وإذا أراد بيان الملازمة جمع بين أصبعيه السبابة والوسطى. ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: كان رسول الله إذا خطب احمرت عيناه،

(1) متفق عليه. المشكاة ح (5815) 11/ 33. والسرد: هو التتابع والتوالى في الكلام، يقال: فلان سرد الحديث سردًا إذا تابع الحديث بحديث استعجالًا، وسرد الصوم: تواليه: يعنى لم يكن حديث النبى متتابعًا بحيث يأتى بعضه إثر بعض فيلتبس على المستمع، بل كان يفصل بين كلامين بحيث لو أراد المستمع عده أمكنه، فيتكلم بكلام واضح مفهوم في غاية الوضوح والبيان. يراجع شرح الطيبى على المشكاة 11/ 33

(2) أما عن التصوير البيانى فسيأتى الحديث عنه في الباب التالى، وهو الخصائص البلاغية لأسلوب الحديث النبوى.

(3) وهى خمسة أشياء: اللفظ، والإشارة، والعقد (ضرب من الحساب يكون بأصابع اليدين) وقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه عقد عقد تسعين، والخط، والنّصبة (وهى الحالة الدالة التى تقوم مقام تلك الأصناف) .

(4) ينظر البيان والتبيين 1/ 76 - 79

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت