الاستقامة في الأمور، وأراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يربط في الدعاء بين هداية الطريق مع الهدى، وسداد السهم: أى تقويمه مع السداد. والمعنى: اجعلنى منتصبًا في جميع أمورى مستقيمًا،"ومعنى قوله:"اذكر بالهدى هدايتك الطريق وسداد السهم"أى تذكر ذلك حال دعائك بهذين اللفظين لأن هادى الطريق لا يزيغ عنه، ومسدد السهم يحرص على تقويمه ولا يستقيم رميه حتى يقومه، وكذلك الداعى ينبغى أن يحرص على تسديد علمه وتقويمه، ولزوم السنة. وقيل ليتذكر بهذا لفظ السداد والهدى لئلا ينساه" (1)
وهنا جاء أداء الحديث من خلال الربط الذهنى بين المعنى وصورة من الواقع، فليتأمل البصير بأسرار البيان في قدرة النبى - صلى الله عليه وسلم - على أداء المعنى بطرق مختلفة من إشارة، وخط، وتكرار، وتصوير مع الحرص على اختيار الألفاظ بدقة وعناية، وصوغها في تراكيب بلاغية دقيقة. فالصلاة والسلام على من أوتى جوامع الكلم وروائع الحكم [1]
الفصل الثانى: الحوار في الحديث النبوى
حرص النبى - صلى الله عليه وسلم - على استخدام أساليب مختلفة في الحوار؛ وذلك لما للحوار من أثر في أداء رسالته العظيمة، وكما اعتمد النبى - صلى الله عليه وسلم - على طرق مختلفة في الأداء اعتمد كذلك على طرق مختلفة في الحوار، وقبل أن نقف على أبرز هذه الطرق لابد أولًا من معرفة معنى الحوار.
(1) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 17/ 43
(1) سيأتى إن شاء الله تعالى مزيد بيان للناحية التصويرية في الحديث النبوى، وذلك في الفصل الرابع من الباب الرابع وهو الفصل الخاص بالتصوير وضرب الأمثال في البيان النبوى، وسنلاحظ هناك مدى عناية النبى صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال، وصياغة التشبيهات، والاستعارات، والكنايات, واتباعه في ذلك لمنهج القرآن الكريم، ولقد جمع الشريف الرضى كثيرًا من الأحاديث النبوية المشتملة على الاستعارات والمجازات في كتابه المجازات النبوية، وتناولها بالتحليل البلاغى الذى يكشف عما فيها من أسرار الجمال, كما ذكر ناصح الدين بن الحنبلى كثيرًا من أحاديث التمثيل النبوى في كتابه أقيسة النبى المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأشار الحسين بن خلاد الرامهرمزى إلى بعض الأمثال النبوية في كتابه أمثال الحديث، كما أشار الثعالبى إلى بعض أحاديث التشبيه والتمثيل في كتابه الإعجاز والإيجاز، ولكن العلماء حقيقة لم يعطوا التمثيل والتصوير النبوى ما يستحقه من العناية، وكان عليهم أن يجردوا أقلامهم للكشف عن أسرار التصوير والتمثيل في البيان النبوى بما يتناسب مع منزلة هذا البيان في الدين وفى دنيا الناس، وأن يبينوا أثر التمثيل القرآنى في التمثيل النبوى. ولقد قام بعض الباحثين المحدثين بجهد مشكور في هذا الميدان إلا انه ما زال بحاجة إلى جهود أخرى صادقة، ونسأل الله أن يوفق بعض العلماء المخلصين إلى جمع أحاديث الأمثال والتصوير والمجاز في البيان النبوى وتناولها بالدراسة والتحليل من الناحية الموضوعية والبلاغية والتربوية وغير ذلك مع ربطها بالواقع، وهو عمل جليل يحتاج إلى جهد كبير.