أما عن التصوير المعتمد على الخط والرسم لأجل التعليم والتوضيح فمنه ما رواه ابن مسعود قال: خط النبى - صلى الله عليه وسلم - خطًا مربعًا، وخط في الوسط خطًا خارجًا منه، وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذى في الوسط فقال:"هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به - وهذا الذى هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا" [1] وهذه صورة الخط الذى خطه النبى - صلى الله عليه وسلم -.
أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يبين من خلال هذا الرسم والشكل [2] مدى أمل الإنسان وحرصه على الدنيا، وأن آماله تتجاوز عمره وحياته، وأن أعراض الدنيا وما فيها محيطة به إن أخطأه وجاوزه عرض من الأعراض أصابه عرض آخر من أعراض الدنيا وشرها. وما أروع التعبير عن الإصابة هنا بالنهش أو النهس: وهو لدغ ذوات السم. إشارة إلى شدة الإضرار. فبينما الإنسان طالب لأمله البعيد تدركه الآفات التى هى أقرب إليه فتؤدى به إلى الأجل المحيط به.
والنبى - صلى الله عليه وسلم - اعتمد على الخط هنا، وهو الرسم والشكل [3] فى أداء الحديث لبيان قصر عمر الإنسان وطول أمله، وما يكتنفه من البلايا والمحن في الدنيا، وأن على المرء أن يزهد في الدنيا لأن الأجل لن يمهله ليحقق هذه الآمال العريضة، وأن ما يصيبه من المحن والشرور في الدنيا والتى عبر عنها باللدغ تحول بينه وبين مراده [4]
أما عن التصوير المعتمد على الربط الذهنى بين المعنى المقصود وصورة من الواقع: فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه:"قل: اللهم اهدنى وسددنى، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم" [5] فالهدى: هو الرشاد. والسداد في أصله: هو
(1) رواه البخارى - كتاب الرقاق - باب في الأمل وطوله - نزهة المتقين 1/ 422
(2) استخدم النبى صلى الله عليه وسلم الرسم التوضيحى لإيصال هذا المعنى، وهو من الوسائل التعليمية المهمة، ومن المسلمات لدى التربويين أنه كلما زاد عدد الحواس التى تشترك في الموقف التعليمى زادت فرص الإدراك والفهم كما أن المتعلم يحتفظ بأثر التعليم فترة أطول.
(3) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 9/ 391
(4) ومن المشاهد التصويرية المعتمدة على صورة من الواقع ما رواه جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر. وقال:"إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"ثم قرأ: ( ... وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) (ق: 39) أخرجه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى. ينظر جامع الأصول 11/ 168
(5) أخرجه مسلم - باب في الأدعية - 17/ 43