الباب الخامس: الأصالة والمعانى في الحديث النبوى
الفصل الأول: الأصالة والمعانى في الحديث
بعد أن وقفنا على أبرز الخصائص البلاغية للبيان النبوى في الباب الرابع، نتحدث هنا عن الأصالة فيه. والأصالة وإن كانت من خصائص الأسلوب في الحديث إلا أنى آثرت إلحاقها بالمعانى في الحديث نظرًا للارتباط بينهما - فيما يبدو لى - فالأصالة: الابتكار. والمعانى في الحديث تتميز بالابتكار والتجديد، وسيتضح لنا ذلك من خلال التطبيق.
ولكن قبل ذلك لابد من بيان معنى الأصالة.
معنى الأصالة: الأصالة: مصدر أصل، والأصل: أسفل الشئ كأصل الجبل. والأصالة في النسب: العراقة. وفى الأسلوب: الابتكار والتميز. وفى الرأى: جودته وإحكامه. والأصالة بفتح الهمزة وكسرها: الثبات وجودة الرأى. والأصالة: العقل [1] ، فمعانى الأصالة تدور حول الابتكار، والجودة، والإحكام، والثبات.
أما عن الأصالة كخصيصة من خصائص الأسلوب: فلقد ذكر الأستاذ الزيات"أن الأصالة: أن يكون أسلوب الرجل خاصًا به، لا ينهج فيه نهج غيره، وأن تكون في عباراته طرافة وجدة مع حلاوة ملموسة تحمل من يأتى بعده على اقتباسها واستعمالها. ويراد بالأصالة في الأسلوب بناؤه على ركنين أساسيين: من خصوصية اللفظ، وطرافة العبارة. وتلك هى الصفة الجوهرية للأسلوب البليغ. وملاك الأصالة أن لا تكتب كما يكتب الناس، وأن تكون أصيلًا في نظرتك وكلمتك وفكرتك وصورتك ولهجتك، فلا تستعمل لفظًا عامًا، ولا تعبيرًا محفوظًا، ولا استعارة مشاعة. أما خصوصية اللفظ فهى دلالته التامة على المعنى المراد، ووقوعه الموفق في الموقع المناسب. وآية مطابقته لمعناه ومبناه أنك لا تستطيع أن تبدله، ولا أن تنقله. والخصوصية في اللفظ أصل الدقة في التعبير، والوضوح في المعنى، والصدق في الدلالة؛ لأن الكلمة إذا تمكنت في موضعها الأصيل دلت على المعنى كله، فإذا حشرت فيه حشرًا، أو قسرت عليه قسرًا دلت على بعض المعنى أو أبانت عن غيره. وفى اختيار الكلمة الخاصة بالمعنى إبداع؛ لأن الكلمة ميتة ما دامت في المعجم، فإذا وصلها الكاتب أو الأديب أو الشاعر بأخواتها في التركيب ووضعها في موضعها الطبيعى من"
(1) ينظر اللسان مادة"أصل"، وأساس البلاغة، والمصباح المنير، والمحيط لأديب اللخمى، والغنى لأبى العزم.