فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 215

الفصل الثالث: البعد عن التكلف

نفى الله عز وجل عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - التكلف حين قال على لسانه: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (ص: 86 - 88) "لأن التكلف في كل أمر يحبط تأثيره ويلقى على صاحبه ظلالًا من الكراهية والاستثقال وأظهر ما يكون التكلف في قول يقال لأن السامع لا يفتح صدره لمن يلمس فيه هذا الخلق الثقيل، ومهما كان قوله صائبًا صحيحًا فإن مسحة التكلف تلقى عليه ظلالاُ بغيضة تجعله أشبه بالقول المخطئ وما هو به لأن الروح التى يصدر عنها لا تظهر صافية مطبوعة، بل تعانى من آصار التكلف والتصنع ما يكاد يعصف بما لديها من السداد والإصابة" [1] أما عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فلقد مضى في بداية البحث بيان مدى عنايته بالمنطق وحرصه على إصلاحه واعتداله، وبعده عن التكلف فيه، ومن هنا كره الثرثرة والتشادق والتخلل باللسان كما تخلل الباقرة بلسانها؛ ولذلك كان يتكلم بكلام بين فصل لو عده العاد لأحصاه حرصًا منه - صلى الله عليه وسلم - على أداء أمانة التبليغ، ورعاية مقتضى حال المخاطبين فاتسم تعبيره بالوضوح والإشراق والبيان والسداد، ولتوضيح هذه الناحية في البيان النبوى سأتناول بالبحث السجع في الحديث النبوى، والموسيقى النثرية، وبعض فنون البديع اللفظية والمعنوية كالطباق، والمقابلة، والجناس؛ ولقد اخترت هذه الفنون البديعية دون غيرها لأن هذه الفنون مما كثر فيه التكلف في كتابات كثير من الكتاب والأدباء عبر التاريخ، وفى كثير من الأسجاع نلمح أن كثيرًا من الأدباء كانوا يحرصون على اللفظ أكثر من حرصهم على المعنى وكانت عنايتهم مصروفة إلى حشد الألفاظ المسجعة والعبارات المترادفة، وكان السجع هدفًا في ذاته مما أخرج كثيرًا منهم عن حد الاعتدال إلى التكلف المذموم، وهذا أمر معلوم وملاحظ في مثل مقامات الهمذانى والحريرى، وفى كتابات القاضى الفاضل وغيرهم [2] أما في البيان النبوى فسيتضح لنا كيف جاءت هذه الفنون البديعية فيه على نهج السداد والاعتدال بعيدًا عن التكلف المذموم. وأقدم هنا بتمهيد موجز يتناول الحديث عن السجع ومعناه، وضوابطه عند البلاغيين، وموقف النبى - صلى الله عليه وسلم - منه، وسبب رفضه للسجع في كلام الأعرابى مع أنه قد جاء كثيرًا في البيان النبوى، ولم لم يأتِ القرآن والحديث مسجوعين؟، ويأتى بعد ذلك الحديث عن التوازن، وبعد ذلك التطبيق على نماذج من السجع والتوازن في الحديث النبوى، ثم الموسيقى النثرية في الحديث مع التطبيق على نماذج من البيان النبوى، ويأتى بعد ذلك أمثلة للطباق والمقابلة والجناس في البيان النبوى.

(1) ينظر البيان النبوى ص 247

(2) ينظر علم البديع أ. د. عبد العزيز عتيق ص 216 - ط دار النهضة العربية - (1405) (1985) م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت