فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 215

أما عن السجع في البيان النبوى: فحين نتحدث عنه فإننا نتحدث عن فن لا يتصدى له إلا من رسخت قدمه في البلاغة، وألم بأسباب الفصاحة؛ لأن الأمر في السجع ليس مجرد الجمع بين فاصلتين متفقتين في حرف واحد، ولو كان الأمر كذلك لاستطاع كثير من الناس أن يقولوا السجع ويبدعوا فيه، ولكن هذا الفن من فنون الكلام له ضوابط ودقائق يعرفها من سبروا أغوار هذا الفن، وأدركوا سر الجمال فيه، ومنبع الحسن في تركيبه. وقبل التطبيق على نماذج من البيان النبوى أقدم بذكر الضوابط التى وضعها البلاغيون للسجع الحسن البليغ حتى يتسنى لنا من خلالها الوقوف على دقة السجع في البيان النبوى، وتربعه على ذروة سنام البلاغة.

معنى السجع: السجع مأخوذ من سجع الحمام: وهو تغريده [1] ، وحده ابن سنان الخفاجى بأنه:"تماثل الحروف في مقاطع الفصول" [2] ، وقال الخطيب:"هو تواطؤ الفاصلتين على حرف واحد" [3] ، وهذا معنى قول السكاكى:"الأسجاع في النثر كالقوافى في الشعر" [4] ولقد ردد ابن الأثير تعريف الخطيب حيث قال:"يقال في السجع وحده تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد" [5] ، وهذه التعريفات كلها تدور حول معنى واحد، وهو أن تتفق الكلمتان الأخيرتان من الفقرتين في حرف واحد في آخرهما [6] ، وهذا التواطؤ بينالفاصلتين لابد له من ضوابط ذكرها البلاغيون، وقد استخلصوها من خلال النظر في شواهد هذا الفن في القرآن والحديث، وكلام العرب، يقول ابن سنان الخفاجى:"والمذهب الصحيح أن السجع محمود إذا وقع سهلًا متيسرًا بلا كلفة ولا مشقة، وبحيث يظهر أنه لم يقصد في نفسه ولا أحضره إلا صدق معناه دون موافقة لفظه، ولايكون الكلام الذى قبله إنما يتخيل لأجله، وورد ليصير وصلة إليه فإنا متى حمدنا هذا الجنس من السجع كنا قد وافقنا دليل من كرهه، وعملنا بموجبه لأنه دل على قبح ما يقع من السجع بتعمل وتكلف، ونحن لم نستحسن هذا النوع، ووافقنا أيضًا دليل من اختاره لأنه إنما دل به على حسن ما ورد في كتاب الله تعالى وكلام النبى - صلى الله عليه وسلم -، والفصحاء من العرب [7] ، ولقد أشار الأمام عبد القاهر إلى أن"الأحسن والأهدى أن ترسل المعانى على سجيتها، وتدعها

(1) ينظر خزانة الأدب 2/ 411, وعروس الأفراح 4/ 445

(2) ينظر سر الفصاحة ص 171

(3) ينظر الإيضاح 4/ 79,78

(4) ينظر المفتاح ص 203

(5) ينظر المثل السائر ص 114

(6) وقد يكون الاتفاق بين كل لفظة وما يقابلها في الفقرتين في الوزن والروى كما في الترصيع، أو تتفق اللفظة الأخيرة من الفقرتين في الوزن والروى كما في المتوازى.

(7) ينظر سر الفصاحة ص 171

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت