فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 215

الجملة دبت فيها الحياة، وسرت فيها الحرارة، وظهر عليها اللون [1] . أما الركن الآخر: طرافة العبارة فأسه الابتكار في حكاية الخبر، وتصوير الفكر، وتقويم الموضوع، وهيهات أن تجد الجملة المبتكرة التى تثير الإعجاب، وتحدث الأثر، وتحرك الفتنة إلا إذا وجدت الكلمة الخاصة التى تحدد الفروق، وتجدد العلاقة، وتبعث الحركة.

أما عن الأصالة في البيان النبوى فما أروعها وأبدعها، فلقد ابتكر النبى - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا من الأساليب التى لم يسبق إليها، ولم تسمع من عربى قبله. ومن هذه الأصالة ما جاء في باب الإيجاز وجوامع الكلم، ومنها ما جاء في باب التصوير وضرب الامثال، ومنها ما سار بين الناس مسار الحكمة. والبيان النبوى حافل بكل هذه الأنواع، وقد مضت الإشارة إلى ذلك في فصل الإيجاز من الباب السابق، وفى فصل التصوير رأينا دقة التصوير النبوى وتفرده في بابه، وكذلك في فصل الوصف رأينا ما تميز به من الأصالة والابتكار.

ومن شواهد الأصالة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" [2] فهذا الحديث يسير اليوم بين الناس مسرى المثل، ويستشهدون به في المواقف التى تناسبه. ومقصد النبى من هذا الحديث: أن المؤمن الممدوح الكيس الحازم لا يستغفل فيخدع مرة بعد أخرى، ولا يفطن لذلك. وقيل إن المراد من الحديث النهى: أى لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه، وهذا يصلح أن يكون في أمر الدنيا وأمر الآخرة. وإذا ذهب إلى النهى في الحديث خيل أنه صلوات الله عليه لما رأى من نفسه الزكية الميل إلى الحلم والعفو عنه [3] جرد منها مؤمنًا كاملًا ذا شهامة، ونهاه عن ذلك تأنيبًا، يعنى ليس من شيمة المؤمن الحازم الذى يغضب لله ويذب عن دين الله أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد مرة بعد أخرى، فانته عن حديث الحلم وامض لشأنك في الانتقام منه والانتصار من عدو الله، فإن مقام التجربة والغضب يأبى التحلم والعفو. وفهم منه أن هناك مقامًا التحلم والتساهل فيه محمود بل مندوب إليه، وذلك مع المؤمنين من استعمال العفو والحلم وخفض الجناح قال الله تعالى: ( ... وإذا ما غضبوا هم يغفرون) (الشورى: 37) فيجتمع لهم لين الجانب مع الأولياء، والغلظة مع الأعداء، قال تعالى: ... أَشِدَّاءُ عَلَى

(1) الحديث النبوى مصطلحه وبلاغته وكتبه ص 98,97 نقلًا عن دفاع عن البلاغة ص 81 - 89

(2) متفق عليه من حديث أبى هريرة. وانظره في مشكاة المصابيح ح (5053) 9/ 225

(3) أى عن أبى عزة الشاعر لأن سبب ورود الحديث أن النبى أسره يوم بدر ثم من عليه وعاهده أبو عزة على ألا يعود إلى هجائه والتحريض عليه، وعاد بعد ذلك فأسر يوم أحد فسأل الرسول أن يمن عليه فقال النبى"لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"ويلدغ: يروى بضم الغين على الخبر، وبكسرها على النهى. صحيح مسلم بشرح النووى 18/ 124

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت