الألفاظ تجرى من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذى دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج ..." [1] ، ومن خلال كلام ابن الأثير يلاحظ"أن الجزالة جزالة موضوع لا جزالة كلمة أو بيت أو آية ... ، وكذلك الرقة لا تكون في لفظة منقطعة من سياقها كما نعرف أن التماسك الآسر لا يكون بقوة الألفاظ وحدها بل بما تعبر عنه من مواقف قوية تتطلب التلاؤم بين اللفظ والمعنى، أو بين الشكل والمضمون كما يقال في هذه الأيام ... ، فالجزالة ليست غرابة اللفظ بحال، فقد يكون الأسلوب بعيدًا عن الغريب، وهو جزل متماسك جاءت جزالته من تماسك كلماته وترابطها ترابطًا صادقًا حين تعبر عن معنى مترابط متماسك فتنقل عنه في قوة متمكنة بحيث يحاكى الأسلوب القولى تمكن الخاطر الشعرى" [2] "
ولننتقل إلى البيان النبوى لنقف على نماذج للجزالة والرقة، ولنبدأ بالجزالة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من ظلم من الأرض شيئًا طوقه من سبع أرضين" [3] ، وفى رواية"من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين"، وفى رواية"من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" [4] ، ونلمح هنا القوة والإحكام، والعظمة والجزالة في هذا الحديث، والجزالة هنا جزالة موضوع كما سبق، وهى هنا للتحذير من الظلم، وما أخطر الظلم وأشد وقعه في حياة الناس! ولقد شاركت الألفاظ في جزالة الموضوع، فالفعل"طوقه"فيه جزالة وقوة [5] ، ومعناه: أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر ويكون كالطوق في عنقه لا أنه طوق على الحقيقة أو يكون معناه: أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين أى فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقًا في عنقه، وهذا يؤيده رواية ابن عمر"خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين"، ويحتمل أن التطويق تطويق الإثم، والمراد به أن الظلم المذكور لازم له في عنقه لزوم الإثم ... ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب الجناية أو ينقسم أصحاب الجناية فيعذب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها" [6] ، ويلمح الجزالة في هذا الحديث في التصريح بـ"الظلم"،"
(1) ينظر المثل السائر ص 100 - 106
(2) ينظر البيان القرآنى ص 35 - 38
(3) أخرجه البخارى من حديث سعيد بن زيد - كتاب المظالم - باب من ظلم شيئًا من الأرض - ح (2378) 5/ 123
(4) ينظر صحيح البخارى مع فتح البارى 5/ 123
(5) يرى الصنعانى أن جزالة اللفظ تكون لتأليفه من حروف مخصوصة. ويراجع الرسالة العسجدية ص 85
(6) يراجع فتح البارى 5/ 125