وذكر"الطوق"، وذكر"الأرضين"بصيغة الجمع، ويلمح أيضًا جزالة الموضوع وهو التحذير من الظلم. وإدراك الجزالة في مثل هذه الأحاديث أمر يرجع إلى الذوق والحس، ومعرفة أسرار الجمال في الأساليب. ومن الجزالة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" [1] وهذا الحديث كسابقه في الجزالة، فقوله"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة"فيه من القوة والفخامة ما فيه، حيث ذكر"الظلم"صراحة أولًا ثم ذكره ثانيًا مسبوقًا بـ"إن"التى تفيد التأكيد، كذلك ذكره للظلمات بعد ذلك، وهذا التكرارللفظة الظلم، وجمع الظلمات ألقى على الكلام فخامة وقوة وجزالة،"وقد أفرد المبتدأ وجمع الخبر دلالة على إرادة الجنس واختلاف أنواع المظالم التى هى سبب لأنواع الشدائد في القيامة من الوقوف في العرصات، والحساب، والمرور على الصراط، وألوان العقاب في النار، ثم عطف الشح الذى هو نوع من أنواع الظلم على الظلم ليشعر بأن الشح أعظم أنواعه لأنه ننتيجة حب الدنيا وشهواتها ومن ثم علله بقوله:"فإن الشح أهلك من كان قبلكم"ثم علله بقوله:"حملهم على أن سفكوا دماءهم"على سبيل الاستئناف، فإن استحلال الحرام جامع لجميع أنواع الظلم من الكفر والمعاصى، وعطفه على سفك الدماء من عطف العام على الخاص عكس الأول" [2] كما أن الجزالة هنا أيضًا جزالة موضوع، وجزالة الموضوع هنا وقوته في التحذير من الظلم وبيان أن عاقبته ظلمات يوم القيامة، فقد يكون على ظاهره ويكون الظلم ظلمات على صاحبه لا يهتدى يوم القيامة سبيلًا حتى يسعى نور المؤمنين بأيديهم وبأيمانهم، ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد، ويحتمل أنها الأنكال والعقوبات. كما تبدو الجزالة في التحذير من الشح وهو أشد البخل أو البخل مع الحرص أو البخل في المال والمعروف أو الحرص على ما ليس عنده [3] ولقد خرج الكلام في التحذير من الظلم الذى يفضى بصاحبه إلى الظلمات يوم القيامة، والتحذير من الشح المهلك الذى حمل السابقين على سفك الماء واستحلال المحارم خرج الكلام مخرج القوة في الألفاظ والموضوع، ففى التحذير من الشح أيضًا كرر الشح مع التأكيد، وهذا فيه من الجزالة ما فيه.
(1) أخرجه مسلم من حديث جابر - كتاب البر والصلة - باب تحريم الظلم - 16/ 134
(2) يراجع شرح الطيبى على المشكاة 4/ 90
(3) قال جماعة من العلماء:"الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل، وقيل هو البخل مع الحرص، وقيل البخل في أفراد الأمور والشح عام، وقيل البخل في أفراد الأمور والشح بالمال والمعروف، وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. ويراجع صحيح مسلم بشرح النووى 16/ 134"