فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 215

ومن الجزالة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأى قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأى قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبًادًّا كالكوز مُجَخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه" [1] ، وهذا الحديث فيه من جزالة الموضوع ما فيه، لقد جاء في مقام التحذير من الفتن التى تعرض للقلوب، وبيان ما تتركه من أثر، ولقد جاءت الجزالة في الموضوع هنا مستندة إلى قوة الألفاظ من ناحية وإلى التشبيه من ناحية أخرى. فقوله:"تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا"بضم العين في لفظة"عودًا" [2] معناه: أنها تلصق بعرض القلوب أى جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به [3] ، ومعنى"عودًا عودًا"أى تعاد وتكرر شيئًا فشيئًا كما ينسج الحصير عودًا عودًا، وشظية بعد أخرى، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما وضع عودًا أخذ آخر ونسجه فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد"وفى قوله فأىقلب أشربها معنى أشربها دخلت فيه دخولًا تامًا وألزمها وحلت محل الشراب."

ومنه قوله تعالى: { ... وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ... } (البقرة: 93) ، ومن الجزالة قوله:"والآخر أسود مربادًا مثل الكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا"فهو قلب منكوس لا يعلق به خير ولا حكمة، وفيه تشبيه للقلب الذى لا يعى خيرًا بالكوز المنحرف الذى لا يثبت الماء فيه" [4] فهوقلب لا يقبل إلا الاعتقادات الفاسدة و الشهوات النفسانية. وهنا ملحظ فيما يتعلق بالتمثيل للقلب الأبيض بـ"الصفا"،"فإنما ضرب المثل به لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمن، ولم يدخلها لون آخر لا سيما النوع الذى ضرب به المثل فإنه أبدًا على البياض الخالص لا يشوبه كدرة" [5] "

(1) أخرجه مسلم من حديث حذيفة - باب ذكر الفتن التى تموج كموج البحر - 2/ 173,172

(2) وروى بفتح العين والدال المهملة، وروى بفتح العين والذال المعجمة، واختار القاضى عياض الأول، وهو ما ذكرته بضم العين وبالدال.

(3) أو يكون معنى قوله:"تعرض الفتن"أى توضع عليها وتبسط كما يبسط الحصير من عرض العود على الإناء والسيف على الفخذين يعرضه إذا وضعه.

(4) يراجع صحيح مسلم بشرح النووى 2/ 171

(5) يراجع شرح الطيبى على المشكاة 10/ 49

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت