والتكرار من مقاتل البيان، وهو دقيق المأخذ، وحده:"دلالة اللفظ على المعنى مرددًا، ومنه ما يوجد في اللفظ والمعنى، ومنه ما يوجد في المعنى دون اللفظ. فالأول: كقولك: أسرع أسرع، والثانى: كقولك: أطعنى ولا تعصنى، فإن الأمر بالطاعة نهى عن العصية. والتكرار في اللفظ والمعنى أو المعنى فقط منه ما هو مفيد، ومنه غير المفيد. فالمفيد من التكرار ما يأتى في الكلام تاكيدًا له، وتشييدًا من أمره؛ وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشئ، ولذا كررت فيه كلامك إما مبالغة في مدحه، أو ذمه، أو غيرذلك، ولا يأتى إلا في أحد طرفى الشئ المقصود بالذكر، والوسط عار منه، والوسط ليس من شرط المبالغة" [1]
"والتكرير أبلغ من التأكيد، وله فوائد منها: التقرير وقد قيل: الكلام إذا تكرر تقرر. ومنها: زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكتمل تلقى الكلام بالقبول، وهو مع التأكيد يجامعه ويفارقه، ويزيد عليه وينقص عنه، فإن التأكيد قد يكون تكرارًا وقد لا يكون، وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة وإن كان مفيدًا للتأكيد معنى ... ولابد للمتكلم أن يلاحظ التحرز عن انفكاك النظم أو الترتيب، وتشويشه أولًا ثم في المعنى" [2]
وقد أوجزت هنا بعض الضوابط التى ذكرها البلاغيون للتكرار ليتضح لنا من خلالها أن التكرار ليس مجرد ترديد للألفاظ بدون فائدة أو غاية، بل إن التكرار ينطوى على أسرار بلاغية تختلف تبعًا للسياق والمقام ... ، وإلى البيان النبوى لنرى كيف اعتمد النبى - صلى الله عليه وسلم - على التكرار في بعض المواقف كطريق من طرق الأداء ليؤكد أهمية أمر من الأمور في الدين، أو ليحذر من عاقبة من العواقب، أو ليبين جواز أمر من الأمور في الدين أو ليحذر من سلوك معين يتعارض مع الدين ويجب أن ينأى عنه المسلم، أو ليحض على عمل من الأعمال يحبه الله، أو غير ذلك. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"قيل: من يا رسول الله؟ قال:"الذى لا يأمن جاره بوائقه" [3] وهنا كرر النبى - صلى الله عليه وسلم - هذه العبارة ليحذر أشد التحذير من إيذاء الجار، وذلك مع تصدير كل جملة من جمل الحديث بالقسم باسم الله الذى يقتضى التأكيد،
(1) ينظر المثل السائر ص 355 - 358 باختصار.
(2) ينظر الكليات لأبى البقاء ص 268، 270 ,297
(3) متفق عليه من حديث أبى هريرة. أخرجه البخارى في كتاب الأدب - باب إثم من لم يأمن جاره بوائقه، وأخرجه مسلم - كتاب الإيمان - باب تحريم إيذاء الجار. نزهة المتقين 1/ 251