فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 215

القدرة عليه، وتمد لك أسباب المطمعة فيه بخلاف القرآن فإنك تستيئس من جملته، ولا ترى لنفسك إليه طريقًا البتة، إذ لا تحس منه نفسًا إنسانية، ولا أثرًا من آثار هذه النفس، ولا حالة من حالاتها حتى تأنس إلى ذلك على التوهم ثم تتوهم الطمع والمعارضة من هذه الآنسة فتمضى عزمك، وتقطع برأيك، وتبت القول فيه كما يكون لك قراءة الكلام الإنسانى، فإن جميع كلام الآدمى منهاج، ولجملته طريق، وحدود البلاغة التى تفصل بعضه عن بعض كلها مما يتوقف عليه بالحس والعيان، ويقدر فرق ما بين بعضها إلى بعض مهما بلغ من تفاوتها واختلافها في السبك والصنعة والغرابة. بيد أن ذلك مما لا يستطاع في القرآن، ولا وجه إليه بحال من الأحوال، فما هو إلا أن تقرأ الآية حتى تراها قد خرجت عن حد المألوف، وانسلت منه، وفاتت سمت ما قدرت لها من مطلع ومقطع ... وهذا وجه من أبين وجوه الإعجاز في القرأن، وقد جاء من طبيعة تركيبه وأنه لا أثر فيه من آثار النفس الإنسانية ..." [1] "

ويقول أ. د. محمد عبد الله دراز:"ونحن نرى أسلوب القرآن فنراه ضربًا وحده لا يجرى مع القرآن في ميدان إلا كما تجرى محلقات الطير في جو السماء لا تستطيع إليها صعودًا. ثم نرى أساليب الناس فنراها على اختلافها ضربًا واحدًا لا تعلو عن سطح الأرض، فمنها ما يحبو حبوًا، ومنها ما يشتد عدوًا، ونسبة أقواها إلى القرآن كنسبة هذه السيارات الأرضية إلى تلك السيارات السماوية! نعم لقد تقرأ القطعة من الكلام النبوى فتطمع في اقتناصها ومجاراتها كما تطمع في اقتناص الطائر أو مجاراته، ولقد تقرأ الكلمة من الحكمة فيشتبه عليك أمرها: أمن النبوة هى أم من كلمات الصحابة أو التابعين ذلك ما علمت من امتياز الأسلوب النبوى بمزيد الفصاحة، ونقاء الديباجة، وإحكام السرد. ولكنه امتياز قد يدق على المنتهين في هذا الفن، وقد يقصر الذوق وحده عن إدراكه، فيلجأ إلى النقل يستعينه في تمييز بعض الحديث المرفوع من الحديث الموقوف أو المقطوع. أما الأسلوب القرآنى فإنه يحمل طابعًا لا يلتبس معه غيره، ولا يجعل طامعًا يطمع أن يحوم حول حماه، بل يدع الأعناق تشرئب عليه ثم يردها ناكسة الأذقان على الصدور. كل من يرى بعينين أو يسمع بأذنين إذا وضع القرآن بإزاء غير القرآن في كفتى ميزان، ثم نظر بإحدى عينيه أو استمع بإحدى أذنيه إلى أسلوب القرآن، وبالأخرى إلى أسلوب الحديث النبوى وأساليب سائر الناس، وكان قد رزق حظًا من الحاسة البيانية والذوق اللغوى فإنه لا محالة سيؤمن معنا بهذه الحقيقة الجلية، وهى أن أسلوب القرآن لا يدانيه شئ من هذه الأساليب كلها. ونحسب أنه بعد الإيمان بهذه الحقيقة لن يسعه إلا الإيمان بتاليها ... استدلالًا بصنعة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... } "

(1) ينظر إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص 276 - 279

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت