(الشورى: 11) على صانع {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [1] وهذا الفرق العظيم جدًا بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث قد أشار إليه أيضًا الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا في كتابه"فى الحديث النبوى"وكان مما ذكره:"وإن هذا التفاوت الكبير في الأسلوبين إذا أنعم الإنسان النظر فيه، وكان ذا ملكة بيانية لا يترك لديه مجالًا للشك والريبة في أن القرآن والحديث النبوى صادران عن مصدرين مختلفين، ولقد تقدمت في العصر الحديث دراسة الأساليب بشكل أصبح الدارسون فيه يستطيعون تحديد معالم الشخصية لصاحب النص بشكل دقيق، وقد يذكرون تاريخ حياته وصفاته ومقدرته العلمية من النظر في آثاره، وقد أصبح في حكم المقرر أن الأسلوب جزء من شخصية المرء لا يملك أن يحور فيه، ولا أن يعدل، وهذا أمر ملموس مقرر؛ إذ أنك لو جئت لإنسان درس أسلوب شاعر ما بأبيات لم يسبق أن اطلع عليها فسرعان ما يحكم على أنها من شعره ... فالحديث النبوى صورة جديدة مبتكرة في البيان العربى ... جارية على قواعد العرب وطريقتهم في التركيب ... فلو خلطت سورة أو جملة آيات بمجموعة أخرى من الكلام العربى لاستطعت أن تميزها بسهوله. أما الحديث النبوى: فكثيرًا ما يشبه أسلوبه أسلوب سائر الأقوال، والحكم المأثورة إذا كانت بليغة، ومن هنا أمكن الوضع في الحديث" [2] ولقد ساق الأستاذ الزرقا عدة أمثلة من القرآن والسنة ليظهر من خلالها الفرق العظيم والبون الشاسع بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث. ولن أسوق هنا نماذج وأمثلة، فالقرآن بين أيدينا، والحديث كذلك بين أيدينا، وليقرأ المسلم ويتأمل ليظهر له أن القرأن من الأمر الإلهى، وأن الحديث النبوى من الكلام البشرى، ولكنه في قمة البيان الإنسانى. هذه حقيقة عرفها الناس منذ نزول القرآن، وعرفوا أن القرأن كلام الله منذ الوهلة الأولى لما كان صناديد المشركين يستمعون للقرآن خلسة من وراء بعضهم كما كان يفعل أبوجهل عمر بن هشام، والأخنس بن شريق، وأبوسفيان بن حرب قبل إسلامه، وكما قال الوليد بن المغيرة في وصفه:"إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته" [3] فكانوا يدركون الفرق بين أسلوب النبى - صلى الله عليه وسلم - الذى تربى بينهم وعرفوه وعرفوا نهجه في كلامه، و بين أسلوب القرآن الذى نزل من السماء، ولقد سجل القرآن هذا الحق والصواب على فلتات ألسنتهم، فقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ
(1) ينظر النبأ العظيم ص 100,99
(2) ينظر الحديث النبوى مصطلحه وبلاغته وكتبه ص 102 - 107 نقلًا عن كتاب في الحديث النبوى ص 75 - 78 للأستاذ / مصطفى الزرقا.
(3) يراجع هذه الآثار والتعليق عليها في كتاب البيان القرآنى أ. د. محمد رجب البيومى - ط مجمع البحوث الإسلامية - (1391) هـ (1971) م.