مما يزيد الكلام طلاوة. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" [1] ، وهنا اجتمع التوازن بين"الفم، والرب"، وحرفا الفاصلتين وهما"الميم، والباء"متقاربان في المخرج مع الاختلاف في القافية.
ومن التوازن قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم إنى أعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من فتنة القبر" [2] ، والتوازن هنا بين قافية الفقرة الأولى"البخل"، وقافية الفقرة الثانية"العمر"
ومن ذلك ما رواه ابن أبى أوفى أنه صلى الله عليه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال:"سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شئ بعد" [3] ، والتوازن هنا بين"الأرض"، و"بعد"فى الفقرتين الأخيرتين، وهذا التقارب بين الفواصل في الحروف مع اتفاقها في الوزن مما يزيد الكلام طلاوة ورونقًا وبهاءً وإن كان التوازن دون السجع في المنزلة إلا أن البيان النبوى قد استعمل من فنون البديع ما يزيد المعانى وضوحًا، ويعطى الألفاظ عذوبة ورقة وجمالًا، ومن هنا جاء في البيان النبوى السجع الحسن المعتدل البعيد عن التكلف والذى يتبع فيه اللفظ المعنى مع البعد عن التكرار المعيب في السجع، وجاء فيه التوازن بين الكلمات حرصًا منه - صلى الله عليه وسلم - على إيضاح المعانى وصوغها في أفضل قوالب من الألفاظ. ولم يقف الأمر في البيان النبوى فيما يتعلق بالبديع عند السجع والتوازن، بل امتد ليشمل الموسيقى النثرية التى لا تكون بالمحسنات البديعية، وهذا يحتاج إلى إيضاح.
الموسيقى النثرية [4] فى الحديث النبوى:
يظن بعض الناس أن الموسيقى النثرية لا تكون إلا بالمحسنات البديعية من سجع وازدواج وجناس، وهذا بعض الحق لا كله؛ لأن الموسيقى النثرية قد تكون بهذه المحسنات إذا أتت عن طبع، وصدرت عن أصالة كما سبق، وقد تكون بغيرها إذا رتب الكلام ترتيبًا نفسيًا يوافق اهتزاز المشاعر، وتموجات النفس بأن يعبر الأديب عن خواطر تطرد وتتدفق منسجمة في نسق خاص،
(1) أخرجه النسائى وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة بأسانيد صحيحة. نزهة المتقين 2/ 102
(2) أخرجه البخارى من حديث سعد بن أبى وقاص. نزهة المتقين 2/ 211
(3) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى من حديث ابن أبى أوفى. جامع الأصول 5/ 35
(4) الموسيقى: لفظ يونانى يطلق على فنون العزف على آلات الطرب، وتذكر وتؤنث، وعلم الموسيقى: هو علم يبحث فيه عن أصول النغم من حيث تأتلف وتتنافر، وأحوال الأزمنة المتخللة بينها ليعلم كيف يؤلف اللحن، وهذه اللفظة معربة. المعجم الوسيط ص 891. ولقد شاع استخدامها عند بعض المحدثين لما رأو أنها تعبر تعبيرًا دقيقًا عن سمة من سمات الأسلوب في الحديث النبوى، وهى سمة التعبير.