فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 215

ومن السجع الذى قصرت فقراته، وهو من أحسن السجع وأشرفه للاعتدال فيه: قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم أعنى على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" [1] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب العبد التقى، الغنى، الخفى" [2] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"أنا برئ ممن حلق، وصلق، وخرق" [3] ، وقوله:"اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" [4] ، والحديث الأخير مما طالت فقرته الثالثة عن الأولى والثانية، وهذا من أحسن السجع، وقصر فقرات السجع وطولها وتنوع فواصلها مما يرتبط بالمعنى والسياق في البيان النبوى، والأمر يحتاج إلى فضل تأمل مع الربط بين المعنى والسياق والمقام. وهذه الأحاديث غيض من فيض مما يزخر به البيان النبوى من الأحاديث المشتملة على السجع، ويلاحظ من خلالها أن السجع في الحديث النبوى مما جرى على نهج الاعتدال لأنه جاء تابعًا للمعنى، كما برئ من التكرار المعيب، وقد ترشح في كثير من الأحاديث بفنون أخرى من البديع كالطباق والمقابلة، وتنوعت فواصله بين الطويلة والقصيرة تبعًا للمعنى، واتضح أن كثيرًا من أحاديث الدعاء يغلب عليها السجع الذى تختلف فيه القافية وطول الفقرة وقصرها تبعًا للمعنى والغرض، والأمر كما سبق يحتاج إلى فضل تامل مع الربط بين السياق والمقام.

وإذا كان البيان النبوى قد جاء بالبديع الرائق من السجع فقد جاء فيه أيضًا"التوازن"الذى تتساوى فيه الفاصلتان في الوزن دون التقفية [5] ، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال:"إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" [6] فنجد هنا التوازن بين"المكاره"فى نهاية الفقرة الأولى، و"المساجد"فى نهاية الفقرة التى تليها، والكلمتان مختلفتان في التقفية، ولكنهما متفقتان في الوزن، وهذا التوازن بين الكلمات في القافية"

(1) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح من حديث معاذ. نزهة المتقين 2/ 211

(2) أخرجه مسلم من حديث سعد بن أبى وقاص. مشكاة المصابيح ح (5284) 9/ 399

(3) متفق عليه من حديث أبى بردة الأسلمى واللفظ لمسلم. مشكاة المصابيح ح (1726) 3/ 412. ومعنى حلق: أى حلق شعره عند المصيبة. وصلق: هو الصوت الشديد يرفعه في المصائب وعند الفجيعة بالموت. وخرق: أى شق ثوبه على المصيبة، وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء. ينظر شرح الطيبى 3/ 413

(4) أخرجه مسلم من حديث ثوبان. مشكاة المصابيح ح (961) 2/ 453

(5) وقد سبق تعريفه عند البلاغيين وأمثلته، والفرق بينه وبين السجع في التمهيد لهذا الفصل فليراجع

(6) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة. المشكاة ح (282) ، ونزهة المتقين 1/ 128

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت