تطوف في رياض نضرة مزينة بالورود، وأنت تسير في رحابها في هدوء وسكينة، فمعانى هذا الحديث يضيق المقام عن بسطها وتفصيلها، وألفاظه عليها مسحة من الرقة والتناغم والتلاحم فيما بينها، وخذ مثلًا قوله - صلى الله عليه وسلم:"ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة"ترى وأنت تقرأ وتردد هذا الجزء من الحديث كأنك ترافق هذا السالك، وتأمل في اختياره للفعل"سلك"دون مشى أو نحو ذلك، وكذلك الفعل"يلتمس"بصيغة المضارع دون يطلب أو يحصل أو نحو ذلك وكذلك الفعل"سهل"، إن هذه الأفعال برقتها وعذوبتها مما يناسب هذا الموقف وهذه الحال حال طالب العلم، وما يتطلبه العلم من تحمل ومثابرة، و هى برقتها تبين الرفق والتمهل والتريث في الطلب، وعدم التعجل مع التزام الهدوء والسكينة والتأنى في الطلب والتحصيل وهى من الصفات والأخلاق التى يجب أن يتحلى بها طالب العلم. وخذ مثلًا آخر من نفس الحديث، هو قوله - صلى الله عليه وسلم:"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ..."إلخ تشعر وأنت تقرأ هذه الفقرة من الحديث كأنك في محراب العلم، وقد نزلت عليك السكينة، وغشيتك الرحمة ... ، إن ألفاظ الحديث بعذوبتها تنساب على اللسان وتدخل إلى الأذن بلا استئذان، وفيها من التلاحم والتناغم ما فيها، ولقد ختم هذا الحديث بعبارة مسجعة، وهى قوله - صلى الله عليه وسلم:"ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه"وحين نقرن ونربط بين الفقرتين الأخيرتين وبين سائر الحديث نلمح اختلافًا في التناغم والموسيقى الداخلية فالموسيقى في الحديث جاءت من الألفاظ والتئامها والتحامها وترابطها ورقتها وعذوبتها. وفى آخر الحديث جاءت الموسيقى من خلال السجع والاتفاق في القافية بين"عمله، ونسبه"، ولا شك أن اختلاف المعنى هو الذى تطلب اختلاف الفاصلتين عما قبلهما ويتضح ذلك من خلال النظر في معانى الحديث. فالحديث من أوله يدعو إلى تنفيس الكرب عن المكروب، والتيسير على المعسر، والستر على المسلم، ومعاونة العباد، وسلوك طريق العلم، والحض على طلبه، وحضور مجالس الذكر، وكلها مما رغب فيه الدين ودعا إليه من من مكارم الأخلاق. أما نهاية الحديث فمختلفة لأنها تقرر أمرًا آخر، وهو أن من قصر في العمل لم ولن ينفعه النسب، وهو معنى آخر غير المعانى السابقة، وهو ما تطلب اختلاف الفاصلة مع السجع والمطابقة بين"بطأ، ويسرع" [1]
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" [2] ، وموسيقى هذا الحديث رقيقة، والصلة بين ألفاظه ومعانيه واضحة، فالزهد في الدنيا من
(1) وقد مضى بيان اتفاق الفاصلتين في القافية في قوله:"عمله، ونسبه"
(2) أخرجه ابن ماجة وغيره من حديث سهل بن سعد بأسانيد حسنة. نزهة المتقين 1/ 356