فيها من مطابقة تشتمل على معنى آخر، وهو الإشارة إلى قيومية الله تعالى وبقائه؛ ولذلك خالف في الفاصلة فليتأمل.
ومن ذلك أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم أسلمت نفسى إليك، ووجهت وجهى إليك، وفوضت أمرى إليك، وألجأت ظهرى إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذى أنزلت، وبنبيك الذى أرسلت" [1]
وهذا الدعاء برنته وتناغمه مما يناسب حال من أخذ مضجعه لينام [2] ، وقد تنوعت قافية السجع ما بين الكاف في الفقرات الست الأولى، والتاء في الفقرتين الأخيرتين، ويلاحظ أنه في الفقرة الأخيرة قد جمع بين النبوة والرسالة في قوله:"ونبيك الذى أرسلت"وقد يقول قائل: إن هذا تكرار لنفس المعنى وهو مما يخالف شرطًا من شروط السجع الحسن المقبول، ولكن عند التأمل الدقيق يلا حظ أن وراء ذلك سرًا بلاغيًا،"وهو أنه اختار أن يثنى عليه بالجمع بين الاسمين تعديدًا للنعمة في الحالين، وتعظيمًا للمنة على الوجهين" [3]
ومن أحاديث الدعاء التى قصرت فقرات السجع فيها وجمعت الطباق مع السجع قوله صلى الله عليه:"اللهم اغفرلى ذنبى كله، دقه وجله، وأوله وآخره وعلانيته وسره" [4] ويلاحظ هنا اقتران السجع بالطباق في الفقرات الثلاث الأخيرة، وهذا مما زاد المعنى جمالًا حيث إنه أجمل أولًا في قوله:"اللهم اغفرلى ذنبى كله"ثم فصل بعد ذلك في سائر الحديث فذكر الدقيق والجليل، والأول والآخر، والسر والعلانية، ويلاحظ اعتدال فقرات السجع واستوائها وقصرها، وذلك مما يناسب المقام والسياق، والسجع هنا زاد المعنى جمالًا لأنه تابع للمعنى الذى هو طلب المغفرة لكل الذنوب على اختلاف أشكالها.
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم اغفرلى خطيئتى وجهلى، وإسرافى في أمرى، وما أنت أعلم به منى. اللهم اغفرلى جدّى وهزلى، وخطئى وعمدى، وكل ذلك عندى. اللهم اغفرلى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى. أنت المقدم والمؤخر، وأنت على كل شئ قدير" [5] ، ويلاحظ هنا تنوع فقرات السجع ما بين القصيرة والمتوسطة فى
(1) متفق عليه من حديث البراء بن عازب. نزهة المتقين 1/ 93
(2) لأن هذا الدعاء مما يقال عند النوم. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 17/ 34
(3) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 5/ 151
(4) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة. نزهة المتقين 2/ 214
(5) متفق عليه من حديث أبى موسى. مشكاة المصابيح ح (2482) .