على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" [1] "
ومن الأحاديث التى كثر فيها السجع أحاديث الدعاء، والسجع مما يناسب هذا المقام مقام التضرع والابتهال إلى الله عزوجل، وقد تنوعت فواصل السجع في أحاديث الدعاء ما بين القصيرة والطويلة حسب المقام والغرض، وأحاديث الدعاء المسجعة لها رنة وصدى في الأذن مما يناسب حال الداعى الخاشع المتضرع، وقد روعى فيها مناسبة الألفاظ لمعانيها، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" [2] ، وقصر الفواصل هنا مما يناسب الحال و المقام، ويلاحظ أن الفاصلة الأخيرة تخالف فواصل السجع قبلها، ولقد ختم بها الدعاء، وجاءت بصيغة الأمر ومعناه الدعاء، ويلاحظ أيضًا قصر فواصل السجع واعتدالها، وهذا الضرب أوعر مسلكًا، ولا يتصدى له إلا أرباب الفصاحة والبلاغة.
ومن السجع الذى طالت فيه الفاصلة قبل الأخيرة في أحاديث الدعاء: قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إنى أعوذ بعزتك لا إله إلا انت أن تضلنى، أنت الحى الذى لا يموت، والجن والإنس يموتون" [3]
والسجع هنا مما يناسب المقام، وموسيقى الدعاء هنا هى الموسيقى الحانية التى تناسب جوالليل الوديع الهادئ لأن هذا الدعاء كان مما يقوله النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل [4] ، وطول الفاصلة قبل الأخيرة مع اتفاقها مع ما قبلها في القافية مما يحسن في السجع بشرط ألا تطول طولًا يخرجها عن حد الاعتدال، وما نراه هنا جاء على نهج الاعتدال، وقد ترشح السجع بفن آخر من فنون البديع المعنوى، وهو فن الطباق، وهو من طباق السلب بين"لايموت، ويموتون"، وقد جاءت هذه العبارة في الحديث مخالفة في القافية لما قبلها، ومعناها يشير إلى قيومية الحق سبحانه وديمومته، ولعظم هذا المعنى والحرص على تثبيته في النفوس جاءت هذه الفقرة مخالفة لقافية السجع في الحديث لفتًا للأنظار، والأمر في ذلك دقيق حين نقرأ هذا الحديث ونكرره بفقراته المسجوعة، فمن بدايته نراه يشير إلى الإسلام لله، والإيمان به، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والمخاصمة فيه، والعياذ بعزته، وكلها تدور حول هدف واحد ومحور واحد. أما العبارة الأخيرة بما
(1) متفق عليه من حديث أبى هريرة. المشكاة ح (2298) 5/ 78
(2) متفق عليه من حديث عبد الله بن أبى أوفى. جامع الأصول 3/ 185, ونزهة المتقين 1/ 69
(3) متفق عليه من حديث ابن عباس واللفظ لمسلم. نزهة المتقين 1/ 89
(4) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 6/ 55,54