ذهنى بين الدنيا والآخرة في ومضة عين. وهذا يؤكد ما سبق ذكره أن السجع فن دقيق يراعى فيه المعنى واللفظ والقافية السجعية بمايتلاءم مع المعنى. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذى مرة سوى" [1] ، ويلاحظ الاعتدال والتساوى بين الفقرتين في الحديث، وذلك مما أكسب الفقرتين عذوبة في النطق، ولذة في السمع، وذلك من خلال المواءمة بين اللفظ والمعنى. ومن السجع الذى طالت فقرته الأولى عن الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتى شيئًا فرفق بهم فارفق به" [2] وقد مضى أن قصر الفقرة الثانية مع طول الأولى أمر نسبى يختلف تبعًا لطبيعة الكلام والمقام، فقد يكون قصر الثانية عن الأولى مما يتطلبه المقام ويناسب المعنى، وقد ذكر أبو هلال العسكرى بعض الأحاديث التى كان الجزء الثانى أو الأخير فيها أقصر من الأول. وهذا أيضًا وارد في كلام الفصحاء والبلغاء [3]
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه، ولا ينزع من شئ إلا شانه" (*) والسجع هنا قد ترشح بفن آخر من فنون البديع المعنوى، وهو فن الطباق وذلك في قوله:"لا يكون، ولا ينزع"، وقوله:"زانه، وشانه"، وهذا مما يزيد السجع حسنًا وجمالًا أن يجمع معه فن آخر من فنون البديع فيزداد الكلام رونقًا وحلاوة وطلاوة.
ومن هذا النوع قوله - صلى الله عليه وسلم:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" [4] ففى هذا الحديث يلاحظ أن ألفاظ الجزءين مسجوعة فيما بينها، ويلاحظ أن الفاصلتين مسجوعتان، فالكلام سجع في سجع، وقد ترشح بفن آخر من فنون البديع المعنوى وهو الطباق بين"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"وهذا مما زاد الكلام طلاوة وجمالًا ويبدو لى أن هذا السجع مع المطابقة بهذه الألفاظ أمر مقصود إليه في البيان النبوى
ومن الأحاديث المسجعة التى طالت فيها الأجزاء الأولى، وقصرت فيها الأجزاء الأخيرة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله كتب الإحسان على كل شئ، فإذا قتلتم فأحسنوا الِقتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الِذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" [5] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"كلمتان خفيفتان"
(1) أخرجه البخارى والترمذى والدارمى من حديث عبد الله بن عمرو. وقال الترمذى: حديث حسن. المشكاة ح (1830) 4/ 60,59
(2) أخرجه مسلم من حديث عائشة. نزهة المتقين 1/ 468
(3) راجع كلام أبى هلال في الصناعتين ص 288 (*) أخرجه مسلم من حديث عائشة. نزهة المتقين 1/ 456
(4) متفق عليه من حديث أنس. نزهة المتقين 1/ 457
(5) أخرجه مسلم من حديث شداد بن أوس. نزهة المتقين 1/ 458