فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 215

ألفاظها قوله - صلى الله عليه وسلم:"بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" [1] ، ويلاحظ هنا قصر الفقرات مع تنوعها واختلاف معناها، وعذوبة ألفاظها. وقافية السجع في قوله:"منسيًا، ومطغيًا"إلخ مرتبطة بالمعنى تمام الارتباط، وهى فيما يبدو لى تصور غفلة الناس عن هذه الأمور مع قربها منهم، والأمر في هذه الأسجاع يحتاج إلى ذوق وتأمل لإدراك العلاقة بين السجع والمعنى، واللفظة التى تنتهى بها الفقرة المسجوعة، فالأمر في السجع ليس مجرد الموافقة في الفواصل كما سبق، بل الأمر مرتبط بالمعنى تمام الارتباط، وهو ما يلاحظ عند التأمل في البيان النبوى [2] .

ويلاحظ في الأمثلة الماضية أن السجع فيها من السجع الذى تساوت فقراته مع قلة الألفاظ في كل فقرة منها، وهو من أشرف السجع منزلة للاعتدال فيه كما مضى، ولأنه إذا كانت كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ألفاظ قليلة كان ذلك أحسن لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع، وهو أوعر مذهبًا كما سبق.

ومن السجع الذى توسطت فقراته بين الطول والقصر قوله - صلى الله عليه وسلم:"لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدى إلى ذراع أو كراع لقبلت" [3]

ويلاحظ هنا أن الفقرتين في السجع تزيد أعداد كلماتهما عن الأحاديث السابقة، وقد مضى أن السجع الحسن يتفاوت في الطول بين القصير والطويل، ويلاحظ أن الفقرتين في السجع متساويتان في أعداد الكلمات، وهذا التساوى مما يزيد السجع حسنًا وجمالًا نظرًا للاعتدال فيه. كذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة" [4]

ومن أسرار الجمال هنا اللفظة التى تنتهى بها الفقرة في السجع، فاللفظة الأخيرة مع السجع لها رنة وموضع وسر، فلم يقل مثلًا: ستحرصون على الولاية أو نحو ذلك، وإنما قصد هذه اللفظة لأنها بالأذهان أعلق وإلى النفوس أحب، وفى النطق أعذب، وفى المزاوجة بينها وبين القيامة ربط

(1) أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة. وقال الترمذى: حديث حسن. نزهة المتقين 1/ 423

(2) وهذا يؤكد ما ذكره أبو هلال العسكرى من أنه صلى الله عليه وسلم ربما غير الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها قصدًا للتوازن وصحة التسجيع. وكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلف والخلو من التعسف ... ، والحكيم العليم بالكلام يتكلم على قدر المقامات. ويراجع كلام أبى هلال العسكرى والأمثلة التى ساقها من البيان النبوى في الصناعتين ص 287,286

(3) أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة. نزهة المتقين 1/ 443

(4) أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة. نزهة المتقين 1/ 481

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت