فالسجع في البيان النبوى ما أروعه وأبدعه لأنه سجع يأتى لموافقة المعنى بعيدًا عن التكلف، ولقد جرى عليه كثير من كلامه صلى الله عايه وسلم كما يقول أبو هلال العسكرى [1] ، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم" [2] ، وهنا السجع في أعلى درجات الحسن لقصر عباراته من ناحية، وتنوع فواصله واختلافها في المعنى من ناحية أخرى. وقد مضى أن السجع القصير الفقرات أوعر مسلكًا، وأن من صفات السجع الحسن أن تختلف فواصله في المعنى ولاتتكرر بألفاظ أخرى مرادفة لها، وهنا نلمح أيضًا أن السجع مما يناسب المقام لأنه بصدد بيان بعض أصول الإسلام، ويحتاج إلى ترسيخها في الأذهان، وبهذه الموسيقى اللفظية في العبارات يتسنى تثبيت المعانى المذكورة في النفوس حتى يتمكن من فهمها والعمل بها، والسجع برنته مما يساعد على ذلك. كذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"خير الناس من طال عمره، وحسن عمله" [3] ، وهذا الحديث يشارك ما قبله في قصر عباراته وعذوبة ألفاظه مع إيجازه حيث جمع بين الخيرين: طول العمر، وحسن العمل. فما أروع معناه، وأعذب ألفاظه. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" [4] ، ونلاحظ هنا أن فواصل السجع جاءت ساكنة الأعجاز في حال الوقف، وقد مضى أن السجع مبنى على الوقف، وأن كلمات الأسجاع مبنية على أن تكون ساكنة الأعجازموقوفًا عليها. ويبدو لى في الوقف على السجع في هذا الحديث سر آخر، فالسكون في الفاصلتين - هنا - مرتبط بالمعنى تمام الارتباط، وكأنه جاء بسكون الفاصلتين لقطع الكلام وحسمه في هذا الأمر وثباته في الموقف يوم حنين [5] ، فصدقه في نبوته أمر محسوم مقطوع به، وكونه ابن عبد المطلب أيضًا أمر مقطوع به فأراد أن يوافق بين المعنى واللفظ فأتى بالعبارتين على السكون والوقف والقطع ليناسب اللفظ المعنى فيكون الوقف في الفاصلتين، والسكون مما يناسب القطع والحسم في المعنى المقصود، فهو النبى صدقًا فلا يفر، وهو ابن عبد المطلب صاحب النجدة، وزعيم مكة، وهذا يؤكد ما سبق ذكره من أن السجع الحسن المقبول ما كان اللفظ فيه تابعًا للمعنى فلا يتكلف السجع لتزيين اللفظ، وإنما المعنى هو الذى يطلبه لأن السجع أدق ما يعبر عنه، وهذا ما نلاحظه في البيان النبوى ومن السجع الحسن الذى تعددت فقراته مع قصرها، واختلاف معناها، وعذوبة
(1) انظر الصناعتين ص 286
(2) أخرجه الترمذى من حديث صدىّ بن عجلان الباهلى. وقال الترمذى: حسن صحيح. نزهة المتقين 1/ 86
(3) أخرجه الترمذى من حديث عبد الله بن بسر الأسلمى. وقال الترمذى: حديث حسن. نزهة المتقين 1/ 112
(4) أخرجه أحمد والبخارى ومسلم من حديث البراء بن عازب. مشكاة المصابيح ح (4895) 9/ 159
(5) لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث يوم حنين.