فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 215

يؤاتى في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب. وهاهنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذاك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من غير المسجوع، وإنما تضمن القرآن غير المسجوع لأن ورود غير المسجوع معجزًا أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع، ومن أجل ذلك تضمن القرآن القسمين جميعًا" [1] "

ومما تجدر الإشارة إليه أن العلماء اختلفوا هل يقال في فواصل القرآن أسجاع أو لا؟ فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه. والذى منع تمسك بقوله تعالى: { ... كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1) قال:"فسماه فواصل، وليس لنا أن نتجاوز ذلك، وتسمى فواصل لأنه ينفصل عنده الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها" [2] ، ولأن أصله من سجع الطائر فشرّف القرآن الكريم أن يستعار لشئ فيه لفظ هو أصل في صوت الطائر، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في اسم السجع الواقع في كلام آحاد الناس، ولأن القرآن من صفات الله عزوجل فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى، وفرقوا بينهما بأن السجع هو الذى يقصد في نفسه ثم يحال عليه المعنى، والفواصل التى تتبع المعانى ولا تكون مقصودة في نفسها. وممن ذهب إلى ذلك الرمانى و تبعه القاضى الباقلانى ونقل عن الأشعرية امتناع كون في القرآن سجعًا قال:

"ونص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعرى في غير موضع من كتبه"، وذهب كثير من مخالفيهم إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التى يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات ونحوها، ورد الخفاجى على قول الرمانى: إن السجع عيب والفواصل بلاغة غلط، فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله، وإن أراد ما تقع به المعانى تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله. وقال ابن النفيس: يكفى في حسن السجع ورود القرآن، ولا يقدح في ذلك خلوه في بعض الآيات لأن الحسن قد يقتضى المقام الانتقال إلى أحسن منه إلى آخر ما ذكره أصحاب هذا الرأى" [3] "

(1) ينظر المثل السائر ص 118,117

(2) ينظر الإتقان 2/ 97

(3) ينظر النكت في إعجاز القرآن للرمانى ص 97 ضمن ثلاث رسائل - ط دار المعارف، وإعجاز القرآن للباقلانى ص 57 - 65, وسر الفصاحة ص 172, والبرهان 1/ 45 - 58, والإتقان 2/ 96 - 98, وشروح التلخيص 4/ 452

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت