فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 215

الطويل. والسجع الطويل تتفاوت درجاته أيضًا في الطول، فمنه ما يقرب من السجع القصير، ومنه ما يزيد على ذلك" [1] "

وهذه أبرز ضوابط السجع الحسن البليغ عند البلاغيين. أما عن أقسامه فسيأتى الحديث عنها فيما بعد. ولكن قبل ذلك لابد من توضيح أمر هام، وهو إذا كان السجع موجودًا في البيان النبوى فلم رفض النبى - صلى الله عليه وسلم - السجع في كلام الأعرابى [2] الذى قال: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم:"إنما هذا من إخوان الكهان"، وفى رواية لمسلم"إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذى سجع"، وفى رواية"أسجع كسجع الأعراب". وهناك سؤال آخر: وهو إذا كان للسجع منزلة في البلاغة فلم لم يأتِ القرآن والحديث مسجوعين؟

أما عن السؤال الأول: فالنبى - صلى الله عليه وسلم - كره السجع في كلام الأعرابى لأنه وقع منه مع التكلف في معرض مدافعة الحق. فالتكلف في هذا الفن والنظر فيه إلى الناحية اللفظية دون المعنى مما يعاب فيه، وإن أضيف إليه مدافعة الحق تضاعف التكلف، وزادت الكراهة فيه. أما ما يقع من هذا الفن عفو الخاطر بدون تكلف في الأمور المباحة فجائز، وعلى ذلك يحمل ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث المشتملة على السجع.

وفى ذلك يقول العلماء:"إنما ذم النبى - صلى الله عليه وسلم - سجعه (أى الأعرابى) لوجهين: أحدهما: أنه عارض حكم الشرع ورام به إبطاله. والثانى: أنه تكلفه في مخاطبته. وهذان الوجهان من السجع مذمومان، وأما السجع الذى كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقوله في بعض الأوقات - وهو مشهور في الحديث - فليس من هذا لأنه لا يعارض حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهى فيه، بل هو حسن، ويؤيد ما ذكرنا من التأويل قوله - صلى الله عليه وسلم:"كسجع الأعراب"فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم" [3] ، ويقول ابن حجر:"والحاصل أنه إن جمع بين الأمرين من التكلف وإبطال الحق كان مذمومًا، وإن"

(1) ينظر تفصيل ذلك وأمثلته في المثل السائر ص 151,150, وخزانة الأدب 2/ 412

(2) سبب ورود الحديث أنه اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابها في بطنها وهى حامل فقتلت ولدها الذى ببطنها، فاختصموا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة، فقال ولى المرأة: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل. والحديث رواه البخارى من حديث أبى هريرة. كتاب الطب - باب الكهانة - ح (5550) 10/ 226, ورواه مسلم - باب دية الجنين - 11/ 175

(3) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 11/ 178

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت