أما عن الرقة: وهى اللطف والسهولة، ورقة الحاشية، ونعومة الملمس. وهذه الرقة تكون في الحديث عن الرحمة والمغفرة، والجنة ونعيمها، وفى الملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، وما أكثر الأحاديث المشتملة على الرقة في البيان النبوى. فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" [1] ما أرق هذا الحديث فإن ألفاظه تدفق في رقة حانية فيها من التناغم والتوافق ما يناسب الحديث عن الرحمة والمغفرة وقبول التائبين، وقد شاركت الاستعارة في الحديث في إبراز هذه الرقة، فبسط اليد عبارة عن التوسع في الجود والمنع عند اقتضاء الحكمة، ومنه الباسط، وفى الحديث تنبيه إلى سعة رحمة الله وكثرة تجاوزه عن الذنوب، وقبول التائبين" [2] ، وورد هنا لفظ"بسط اليد"لأن العرب إذا رضى أحدهم الشئ بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بأمر حسى يفهمونه" [3] ، ونلمح هنا الموسيقى الداخلية الرقيقة في هذا الحديث حين نكرره عدة مرات فنرى تدفق الألفاظ فيه في لين ورفق وعطف ولطف لتنسجم وتتجاوب مع الموضوع، ولتناسب حال هذا التائب الخاشع المنكسر بين يدى الله تعالى يرجو رحمته ويخاف عذابه.
وتأتى الرقة بسلاستها ولينها ولطفها في كثير من أحاديث الدعاء والابتهال إلى الله والدعاء عبادة وخشوع، وطلب وذل وإنكسار بين يدى الله فتأتى ألفاظ الدعاء برقتها لتنسجم مع حال هذا الداعى الذى يطلب من الله. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم اجعل في قلبى نورًا، وفى بصرى نورًا، وفى سمعى نورًا، وعن يمينى نورًا، وعن يسارى نورًا، وفوقى نورًا، وتحتى نورًا، وأمامى نورًا، وخلفى نورًا، واجعل لى نورًا" [4] ونلمح هنا الرقة والتدفق في ألفاظ هذا الحديث كما نلمح التناغم والهدوء يكتنف هذه الألفاظ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - دعا بهذا الدعاء في صلاة الليل، والفاظ الحديث برقتها تناسب جو الليل الهادئ الوديع الساكن، وهنا نرى الألفاظ والموضوع وما يحيط بهما من الزمن تتجاوب كلها فيما بينها وتتدفق في رقة وهدوء. ومن بلاغة الحديث: تخصيص القلب والبصر والسمع والجهات الست بالنور، فالقلب مقرالتفكر في آلاء الله ونعمائه
(1) أخرجه مسلم من حديث أبى موسى - كتاب التوبة - باب قبول التوبة من الذنوب - 17/ 76,75
(2) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 5/ 106
(3) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 17/ 76
(4) أخرجه أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى من حديث ابن عباس. وانظره في مشكاة مصابيح ح (1195) 3/ 98