فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 215

الظفر مع المخادعة بغير خطر. وهذه العبارة مع وجا زتها مطابقة لمقتضى الحال لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قالها في غزوة الخندق.

ومن الإيجاز ما رواه أبو هريرة أن رجلًا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" [1] ، والحديث من روائع الأيجاز حيث تألف من خمس كلمات. وقد عده العلماء من أصول الطهارة لاشتماله على أحكام كثيرة. قال ابن الملقن:"إنه حديث عظيم، أصل من أصول الطهارة مشتمل على أحكام كثيرة وقواعد مهمة، وقال الحميدى: قال الشافعى: هذا الحديث نصف الطهارة" [2] فألفاظ هذا الحديث مع قلتها وضعت بدقة وإحكام وعناية، فقوله"الطهور"جاء معرفًا بلام الجنسية المفيدة للحصر، وهذا الحصر لا ينفى طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جوابًا لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر. ومجئ لفظة"الطهور"معدولًا بها عن صيغة فاعل إلى فعول لزيادة معنى؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعانى، فكما لا يجوز التسوية بين صابر وصبور وشاكر وشكور كذا في طاهر وطهور، فهو اسم للماء الذى يتطهر به ولا يجوز إلا أن يكون طاهرًا في نفسه مطهرًا لغيره، و الشئ إذا كان طاهرًا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه حتى يصفه بطهور لزيادة طهارة، وإذا نقلنا الطاهر إلى طهور لم يكن إلا لزيادة معنى، وذلك المعنى ليس إلا التطهير [3] ، والنبى - صلى الله عليه وسلم - في إجابته الموجزة لم يجب بـ"نعم"بل أجاب بهذا اللفظ ليقرن الحكم بعلته وهى الطهورية المتناهية [4] ، ولقد أخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - الجملتين مخرج الحصر حيث عرف خبريهما، يعنى ماء البحرلسعته وغزارته حكمه حكم سائر المياه في طهوريته وحل ميتته لا يتجاوز إلى النجاسة. ويلاحظ الإيجاز في قوله"الحل ميتته"لأن فيه دليلًا على حل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه [5] ، وهذا الحديث مع إيجازه وقلة ألفاظه كثير الفوائد، ومن فوائده: أن التوضؤ بماء

(1) رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة، وقال الترمذى: حسن صحيح. المشكاة ح (497) 2/ 123, وجامع الأصول 8/ 10, وعون المعبود ح (83) 1/ 106,0105

(2) يراجع تصحيح العلماء لهذا الحديث وكلامهم حوله في نيل الأوطار 1/ 20 - ط دار الفكر - بيروت.

(3) يراجع شرح الطيبى على المشكاة 2/ 123

(4) يراجع سبل السلام 1/ 16,15 ط دار الفكر.

(5) أخرجه مالك وأحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن صحيح، وانظره في نيل الأوطار 1/ 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت