ومن الإيجاز: قوله - صلى الله عليه وسلم:"الحرب خَدْعة" [1] ، وهذا الحديث من جوامع كلمه، وروائع حكمه - صلى الله عليه وسلم -، ولقد عده الثعالبى في كتابه الإعجاز والإيجاز
من أمثال النبى - صلى الله عليه وسلم - السائرة وأقواله الرائعة [2] وكلمة"خدعة"هنا فيها أكثر من ضبط [3] والضبط الأفصح فيها هو الضبط الأول بفتح الخاء وسكون الدال كما قال النووى وغيره، وهو لغة النبى - صلى الله عليه وسلم - كما قال ثعلب؛ ولأن هذا الضبط يعطى معنى البنيتين الأخيرتين. وهذا الحديث من روائع الإيجاز ففيه استعمال الحيلة ولو مرة واحدة وإلا فقاتل. وقال الخطابى:"معناه أنها مرة واحدة: أى إذا خدع مرة لم تقل عثرته. والإتيان بالتاء للدلالة على الوحدة؛ فإن الخداع إن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغى التهاون بهم لما ينشأ عنهم من المفسدة ولو قل، وفى اللغة الثالثة صيغة المبالغة كهمزة ولمزة. وهكذا نرى أن ضبط الحديث بفتح الخاء وإسكان الدال فيه من الإيجازما سبق ذكره؛ ولذا قال أبو بكر بن طلحة:"أراد ثعلب بقوله إنها لغة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن النبى كان يستعمل هذه البنية كثيرًا لوجازة لفظها، ولكونها تعطى معنى البنيتين الأخيرتين، فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى" [4] ، وفى الحديث التريض على الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وإن لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه، وفى الحديث الإشارة إلى استعمال الرأى في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد في الشجاعة. ولقد قال ابن المنيّر: معنى"الحرب خدعة"أى الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هى المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول"
(1) متفق عليه من حديث جابر. أخرجه البخارى - كتاب الجهاد - باب الحرب خدعة - ح (2929) 6/ 183, وأخرجه مسلم - باب جواز الخداع في الحرب - 12/ 45, وأخرجه أيضًا أبوداود والترمذى.
(2) وذلك في الفصل الذى عقده لأمثال النبى وروائع أقواله ص 5 - ط مكتبة مشكاة الإسلامية. وهذا الكتاب جمع فيه الثعالبى من نوادر الحكم والأمثال من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأقوال البليغة، والحكم والأمثال، والشعر السائر، والكتاب يمتاز بالتدرج الزمنى لأصحاب النصوص.
(3) قال صاحب النهاية:""خدعة"يروى بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال، وبضمها مع فتح الدال. فالأول معناه: أن الحرب ينقضى أمرها بخدعة واحدة من الخداع: أى أن القاتل إذا خدع مرة واحدة لم تكن له إقالة، وهى أفصح الروايات وأصحها. ومعنى الثانى: هو الاسم من الخداع. ومعنى الثالث: أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم فلا تفى لهم كما يقال: فلان رجل لُعبَة وضُحكَة: أى كثير اللعب والضحك. ويراجع جامع الأصول 3/ 189"
(4) يراجع صحيح مسلم بشرح النووى 12/ 45, وشرح الطيبى 7/ 428,427, وفتح البارى 6/ 183