فجمع البيان النبوى هنا بين صنفين من التجار. أحدهما: يوسع على الناس وييسر ولا يحتكر، فبين النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه مرزوق موسع عليه لأنه وسع ويسرعلى الناس. أما الثانى: الذى اشترى الطعام في وقت الغلاء وادخره ليغلو فهو ملعون خاطئ كما صح في حديث آخر عند مسلم [1] لأنه شق على الناس وضيق عليهم، والمقابل للمرزوق هو المحروم ولكنه قابله بالملعون ليعم ويشمل الحرمان واللعنة أيضًا فوق ذلك لأن ضرره متعد إلى الناس الذين استغل حاجتهم إلى الطعام والشراب، فالاحتكار المحرم هو في الأقوات خاصة.
وبهذه الكلمات الموجزة والمقابلة الدقيقة بين النبى - صلى الله عليه وسلم - الفرق بين التاجر المرحوم والتاجر الملعون، ومن خلال كلامه يفهم الحض على التسامح والرفق بالناس في التعامل، والتيسيير على ذوى الحاجة فليتأمل!
وفيما يتصل بالعين وأثرها في المعين يقول - صلى الله عليه وسلم:"العين حق" [2] وما أروع الإيجاز في هذا الحديث المؤلف من كلمتين، ولكن فيه من المعانى ما فيه، فالنبى - صلى الله عليه وسلم - أراد بـ"العين": الإصابة بالعين، ومعنى أنه"حق": أى كائن مقضى به في الوضع الإلهى لا شبهة في تأثيره في النفوس والأموال. فهذا الحديث بإيجازه رد على من ينكرون الحسد وأثره في المحسود، وفيه إشارة إلى أن هذا الحسد من قضاء الله وهو ما عبرت عنه كلمة"حق"لتشمل هذا المعنى، وتشمل الرد على من ينكرون وجوده ووقوعه. وما أروع تعبيره بـ"العين"ولم يقل مثلًا: الحسد حق، وإنما قال:"العين"إشارة إلى الغالب في الحسد، وهو أن يكون بالنظر من الحاسد إلى المحسود يقال: أصابت فلان عين: إذا نظر إليه عدو أو حسود فأثرت فيه فمرض بسببها، ويقال: عانه يعينه فهو عائن: إذا أصابه بالعين، والمصاب معين، فعبر عن الغالب في الحسد بذكر آلته، وإلا فالحسد قد يكون مع السماع من غير رؤية أوفى القلب، ولا يشترط فيه الرؤية، ونلمح هنا الارتباط بين اللفظ والمعنى مع الإيجاز.
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من احتكر فهو خاطئ"رواه مسلم من حديث معمر المشكاة ح (2892) 6/ 108
(2) أخرجه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة. المشكاة ح (4432) 8/ 270