فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 215

"كل معروف صدقة" [1] فالحديث من ثلاث كلمات، ولكن ما أعظم معانيه وغاياته، فلقد أتى هنا بلفظة"كل"التى تفيد العموم في سياق الإيجاب مع تقديمها، وقد أضاف إليها"المعروف"منكرًا وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وهو من الصفات الغالبة بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، وما أكثر المعروف الذى يشمل كل أبواب الخير جليلها ودقيقها حتى أن يلقى المسلم أخاه بوجه طليق [2] ، ولقد جاء هنا بكلمة"معروف"نكرة لهذا القصد أى ليشمل كل أنواع البر قليله وكثيره، وكلمة معروف هنا لها دلالتها لتشمل كل ما تعارف عليه الناس من الخير [3] ، ولم يقل هنا: البر أو الطاعة مثلًا لأجل العموم في فعل الخير كما سبق، وقد أدخل النبى - صلى الله عليه وسلم - فعل الطاعات كلها في باب الصدقات توسيعًا لمفهوم الصدقة التى لا تنحصر في العطاء المادى للمحتاج، بل تشمل كل أنواع الخير من صلة للرحم، وحسن الصحبة للناس، ونحو ذلك. وإيجاز الحديث في أنه أتى بالعموم في فعل المعروف ليشمل كل خير فليتأمل المسلم في أنواع البر وصنوف الطاعات، وليعلم أنها تدخل في باب الصدقات حتى أن يمسك المسلم عن الشر فإنه له صدقة [4] ، ويلاحظ هنا أن الإيجاز في اللفظ قد راعى فيه البيان النبوى الدقة ليشمل كثيرًا من المعانى لأنها المقصودة من هذا الإيجاز، وهذه الكلمات الثلاث قد عبرت عن المقصود أتم تعبير، وشملت من الخير الكثير.

ومن الإيجاز قوله - صلى الله عليه وسلم:"الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" [5] وهذا الحديث مع ما فيه من الإيجاز"فيه مقابلة حيث قوبل الملعون بالمرزوق، والمقابل الحقيقى مرحوم أو محروم ليعم، فالتقدير التاجر مرحوم لتوسعته على الناس، والمحتكر ملعون محروم لتضييقه على الناس" [6]

(1) أخرجه البخارى من حديث جابر، وأخرجه مسلم من حديث حذيفة، وأخرجه أبوداود والترمذى. جامع الأصول 1/ 360, ونزهة المتقين 1/ 130

(2) ولقد عد هذا من المعروف كما في الحديث الذى رواه مسلم عن أبى ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق"المشكاة ح (1894)

(3) وكما يقول الراغب:"المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معًا، ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهى عن السرف"وقال ابن أبى جمرة:"يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا"ويراجع فتح البارى 10/ 462

(4) ففى الحديث المتفق عليه من حديث أبى موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"على كل مسلم صدقة"قالوا: فإن لم يجد؟ قال:"فليعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق"قالوا: فإن لم يستطع؟ قال:"فيعين ذا الحاجة الملهوف"قالوا: فإن لم يفعل؟ قال:"فيأمر بالخير"قالوا: فإن لم يفعل؟ قال:"فيمسك عن الشر فإنه له صدقة"المشكاة ح (1895) 4/ 117

(5) رواه الدارمى وابن ماجة من حديث عمر. المشكاة ح (2893) 6/ 108

(6) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 6/ 109,108

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت