فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 215

وبعد هذه المقدمة الموجزة عن الإيجاز عند البلاغيين أنتقل إلى التطبيق على بعض الأحاديث النبوية الموجزة. ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأة تبكى عند قبر فقال:"اتق الله واصبرى"قالت: إليك عنى فإنك لم تصب بمصيبتى، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبى - صلى الله عليه وسلم -. فأتت باب النبى - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال:"إنما الصبر عند الصدمة الأولى" [1]

وما أروع عبارته الأخيرة - صلى الله عليه وسلم -. لقد جمعت مع الإيجاز الحكمة، ولقد تألفت من خمس كلمات، ولكنها حوت الكثير من المعانى، فالنبى - صلى الله عليه وسلم - بهذه العبارة الموجزة يريد أن يقول لهذه المرأة الثكلى التى فقدت صبيها [2] وقد آلمها المصاب، وأجزعتها الفجيعة أن الصبر الحقيقى عند شدة المصيبة وقوتها، وأن صاحبه يحمد ويثاب عليه في هذه اللحظة لأن النفس إنما يشتد جزعها أو يكون ثباتها عند أول نزول البلاء. فمن الناس من يجزع ويفوت على نفسه فضيلة الصبر الذى جاء في الحديث محصورًا بـ"إنما"وجاء أيضًا معرفًا بـ"أل"أى الصبر الحقيقى الكامل الذى يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه [3] ، والذى يستحق عليه صاحبه الأجر والثواب، والذى يعتد به ما كان في هذه اللحظة التى عبر عنها النبى - صلى الله عليه وسلم - بـ"الصدم"من الأمور الحسية. فالصدم هو ضرب الشئ الصلب بمثله [4] والمعنى الثبات عند نزول البلاء والتحمل في سبيل الله، ونعت الصدمة هنا بالأولى إشارة إلى ما سبق ذكره من أن الصبر عند قوة المصيبة وشدتها محمود صاحبه، ومثاب لأنه إذا طال الوقت فيصير الصبر طبعًا فلا يؤجرعليه. وهكذا نرى عبارته - صلى الله عليه وسلم - على وجازتها ودقة ألفاظها قد حوت كثيرًا من المعانى والإشارات، ويلاحظ أنه جاء بـ"إنما"التى تفيد القصر في أول الكلام، وعرف الصبر بـ"أل"، وعبر عن شدة المصيبة بالصدمة الأولى.

كل هذا مقصود إليه في إيجاز هذا الحديث، والحديث فضلًا عن ذلك حكمة من الحكم تدور على ألسنة الناس اليوم إذا أصيب أحدهم بمصيبة شديدة صبره الناس بهذا الحديث. وهكذا

يظل البيان النبوى بإيجازه بيانًا مفتوحًا مع الزمان.

ولنأخذ مثالأ آخر في مجال الحض على فعل الطاعات قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

(1) متفق عليه من حديث أنس.، وأخرجه أيضًا أبوداود والترمذى. وانظره في مشكاة المصابيح ح (1728) 3/ 415,414, وجامع الأصول 7/ 283

(2) جاء في رواية ذكرها ابن الأثير أنه صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكى على صبى. ويراجع جامع الأصول 7/ 283

(3) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 6/ 227

(4) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 3/ 415

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت