إلا من رست قدمه في ممارسة علم البيان، وصار له خليقة وملكة كما يقول ابن الأثير [1] ، وإيجاز القصر ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما دل لفظه على محتملات متعددة، وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفى عدتها.
والآخر: ما يدل لفظه على محتملات متعددة ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفى عدتها، لا بل يستحيل ذلك. وإيجاز التقدير والقصر شائعان في البيان النبوى بصورة واضحة، والقسم الآخر من الضرب الثانى في الإيجاز بالقصر وهو الذى لايمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفى عدتها، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانًا وأعوزها إمكانًا، وإذا وجد في كلام البلغاء فإنما يوجد شاذًا ونادرًا ..." [2] هذا ولقد مثل ابن الأثير لإيجاز التقدير وإيجاز القصر بأمثلة من الحديث النبوى، ومما مثل به للأول: قوله - صلى الله عليه وسلم:"الحلال بين والحرام بين ..." [3] ، وحديث"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ..." [4] ومثل للثانى بحديث"الخراج بالضمان" [5] ."
وإذا تتبعنا مفهوم الإيجاز عند غير هؤلاء البلاغيين، وبحثنا عند السكاكى، والقزوينى، وغيرهما فإننا نجد أن مفهومه وإن اختلفت صيغ التعبير عنه واحد، وهو جمع المعانى الكثيرة تحت الألفاظ القليلة مع الإبانة والإفصاح [6] ولقد نقلت هنا عن ابن سنان الخفاجى، والرمانى، وابن الأثير لأن كلامهم أقرب إلى ما نحن بصدده من بيان الإيجاز في البيان النبوى خاصة وأن ابن الأثير قد أشار في التطبيق إلى نماذج من الأحاديث النبوية الموجزة كما أن ابن الأثير عنى في كتابه المثل السائر بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث لا يكاد فصل من فصوله يخلو من استشهاد بحديث نبوى يقرن بالاستشهاد بكتاب الله، وقد أفاض في الاستشهاد بأحاديث الرسول في أبواب الإيجاز، والتشبيه، والكناية، والسجع، وخص بابًا بجوامع الكلم أشار فيه إلى روائع مختارة من البيان النبوى [7]
(1) ينظر المثل السائر ص 301
(2) ينظر المثل السائر ص 324 - 330
(3) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير. المشكاة ح (2762) 6/ 7
(4) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب. المشكاة ح (1) 1/ 74
(5) أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى من حديث عائشة. ومعناه أن الرجل إذا اشترى عبدًا فاستغله ثم وجد به عيبًا دلسه عليه البائع فله أن يرده ويسترجع الثمن جميعه، ولو مات العبد أو أبق أو سرقه سارق كان في مال المشترى وضمانه عليه وإذا كان ضمانه عليه فخراجه له أى له ما تحصل من أجرة عمله. ويراجع شرح الحديث وتخريجه وطرقه في جامع الأصول لابن الأثير 2/ 28 - 32
(6) ينظر علم المعانى ص 176 أ. د. عبد العزيز عتيق.
(7) ينظر البيان النبوى ص 325, والتصوير الفنى في الحديث الشريف ص 55 - 67