البحر يجوز مع تغير لونه وريحه، ومنها أن الطهور هو المطهر لأنه - صلى الله عليه وسلم - سأل عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته، ولولا أنهم عرفوه من الطهور لكان لا يزال إشكالهم بقوله"هو الطهور ماؤه"
وقيل: الطهور ما يتكرر منه التطهير كالصبور والشكور، ومنها أن جميع حيوان البحر سواء في الحل إلى غير ذلك مما ذكره العلماء. فلينظر إلى هذا الحديث الذى قل عدد ألفاظه مع دقة معانيه ووضوحه، وبديع تركيبه، ومطابقته لمقتضى حال المخاطبين.
والأحاديث السابقة غيض من فيض مما يزخر به البيان النبوى في باب الإيجاز، ويلاحظ من خلالها التنوع في الموضوع، فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - لديه القدرة على الإيجاز في عرض أى موضوع من الموضوعات. فالإيجاز في الحديث الأول في موضوع الصبر على البلاء، والإيجاز في الحديث الثانى في الحض على فعل المعروف، وفى الحديث الثالث في بيان أصناف التجار، وفى الرابع لبيان أثر الحسد على المحسود ونفاذه، والإيجاز في الخامس لبيان جواز الخدعة في الحرب، وفى السادس لبيان طهورية ماء البحر وحل ميتته.
ويلا حظ على الإيجاز في البيان النبوى أيضًا قلة الألفاظ مع وضوحها، وهذا الوضوح في دلالة الألفاظ الموجزة شرط دقيق لأن الإيجاز إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ، فلابد أن تكون العبارة واضحة حتى لا يختلف الناس في فهمها، ولا يستحق الكلام لفظ الإيجاز والاختصار حتى تكون دلالة اللفظ على المعنى دلالة واضحة كما لاحظنا في الأمثلة السابقة.
ويلاحظ كذلك مراعاة ما تقتضيه الحال من حيث التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير كما في حديث"إنما الصبر عند الصدمة الأولى"حيث جاءت"إنما"للقصر، وتعريف"الصبر"لما سبق ذكره، والتعبير عن أثر المصيبة بـ"الصدم"من الأمور الحسية. وكذلك في حديث"كل معروف صدقة"بتقديم"كل"التى تفيد العموم، وتنكير"معروف"، واستعمال هذه اللفظة دون غيرها. وكذلك في حديث"العين حق"حيث عبر عن الحسد بـ"العين"دون لفظ الحسد أو نحوه لما سبق ذكره. وفى حديث طهارة ماء البحر جاء التعبير بـ"الطهور"والعدول عن فاعل إلى فعول مع التعريف لما سبق ذكره. وهذه بعض الأمثلة لروائع الإيجاز في البيان النبوى من إيجاز القصر دون الحذف [1] وأشير إلى بعض أحاديث الإيجاز الأخرى لمن أراد التوسع في البحث، والتأمل في أسرار البيان النبوى.
(1) ولقد مضى أن هذا النوع من الإيجاز دقيق المسلك، وأنه من أعلى درجات الإيجاز مكانًا وأعوزها إمكانًا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذًا ونادرًا كما سبق في مقدمة الفصل. أما إيجاز الحذف فله أيضًا أمثلة كثيرة في البيان النبوى، ولكنى ركزت على نماذج القسم الأول نظرًا لما سبق ذكره. وبحث الإيجاز في البيان النبوى يحتاج إلى دراسة مستقلة، والمقام هنا يضيق عن التفصيل، وأكتفى بالإشارة إلى مواضع بعض الأحاديث الأخرى الموجزة.