إن الحسرة يومئذ للكافر على خلوده في العذاب، وعلى غفلته في الدنيا عن الإيمان والعمل الصالح، وهنا يزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم على خلودهم في الجنة والنعيم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم على خلودهم في النار والجحيم. وقد عبر عن قضاء الأمر هنا ببيان خلود أهل الجنة والنار في النعيم والعذاب.
ويلاحظ كما سبق أن النبى - صلى الله عليه وسلم - آثر التمثيل والتصوير لهذا الموقف من مواقف يوم القيامة، وذلك في سياق تفسيره للآية؛ وذلك لأن الموت من المعانى المرتفعة في مدارج الأفهام، فاحتاج إلى بيان ذلك بمثال تصويرى ليكشف عن سر الحسرة في هذا اليوم، ولم سمى بهذا الاسم" [1] "
وفى موضع آخر نرى التفسير النبوى يتعرض لبيان الفطرة التى فطر الله الناس عليها، ويوضح أن الناس هم الذين يغيرون هذه الفطرة ويفسدونها، ويظهر ذلك من خلال صورة بيانية تنبع من البيئة، فيقول - صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"ثم يقول: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ... } (الروم: 30) [2]
فقوله"ما من مولود"جاء بـ"من"الاستغراقية هنا لتفيد العموم، وكأنه يريد أن يقول ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر، والمعنى هاهنا تمكن الإنسان من الهدى في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها لم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس؛ وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد، ووضح - صلى الله عليه وسلم - هذا الانحراف عن الفطرة والخلقة بالتغيير في خلقة البهيمة السليمة. فالبهيمة حين توضع توضع جمعاء لم يذهب من بدنها شئ، وسميت بذلك لاجتماع سلامة أعضائها، وهو أمر يراه الناس ويحسونه، ولكن بعض الناس يجدعون منها بقطع الأنف أو الأذن أو الكى لسبب من الأسباب [3] ، وكذلك هؤلاء الذين يهودون، وينصرون، ويمجسون، إنما يغيرون فطرة هؤلاء الأولاد ويفسدون
(1) ويوم الحسرة من أسماء يوم القيامة عظمه الله، وحذره عباده. ويراجع تفسير ابن كثير 3/ 116
(2) متفق عليه من حديث أبى هريرة. أخرجه البخارى - كتاب التفسير - باب قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله ... ) ح (4590) 8/ 382, وأخرجه مسلم - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة 16/ 207
(3) ولقد عبر عن هذا الوضع بقوله"تنتج"ببناء الفعل للمفعول: وقد نتج الناقة ينتجها نتجًا: إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهى ناتج، وهو للبهائم كالقابل للنساء، والأصل من نتجها. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 16/ 209, وشرح الطيبى على المشكاة 1/ 254