وتثبيت الله للمؤمنين في الدنيا بأنهم إذا فتنوا لم يزلوا عنها - وإن ألقوا في النار - ولم يرتابوا بالشبهات، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب، وإذا سئلوا في الحشر وعند مواقف الإشهاد عن معتقدهم ودينهم لم يبهتوا" [1] "
ويلاحظ أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ركز على الشهادتين في تفسير الآية، وفى بيان تثبيت الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة، ولم يشر إلى الأسئلة الأخرى في القبر عن النبى وعن الدين، وكأنه يريد أن يركز على الإيمان الذى هو أساس الاعتقاد، فإذا ثبت المؤمن في الإيمان في الدنيا والآخرة فكل الأعمال الأخرى تبع له ونتيجه له.
ويعرض البيان النبوى لمشهد من مشاهد القيامة يوم الحسرة إذ قضى الأمر، فيقول - صلى الله عليه وسلم:"يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى مناد يا أهل الجنة، قال: فيشرئبون، وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، كلهم قد رآه، ثم ينادى يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ- وهؤلاء في غفلة الدنيا - وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (مريم: 39) [2] "
لقد بين النبى صلى الله عليه هذا اليوم بمشهد تصويرى دقيق حيث بين أن الموت يؤتى به يوم القيامة كهيئة كبش أملح [3] وذلك ليشاهدوه بأعينهم فضلًا عن أن يدركوه ببصائرهم.
والمعانى إذا ارتفعت عن مدارج الأفهام صيغت في قوالب من عالم الحس حتى تتصور في القلوب، وتستقر في النفوس، وفى الآخرة تنكشف المعانى للناظرين إنكشاف الصور كما كان في الدنيا.
(1) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 1/ 303
(2) متفق عليه من حديث أبى سعيد. أخرجه البخارى في كتاب التفسير - باب قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة ... ) ح (4545) 8/ 290, وأخرجه مسلم في باب جهنم أعاذنا الله منها - 17/ 184, وأخرجه الترمذى وأبو يعلى وابن حبان.
(3) يقول النووى:"وليس الموت بجسم في صورة كبش أو غيره، فيتأول الحديث على أن الله يخلق هذا الجسم ثم يذبح مثالًا لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة. والكبش الأملح: قيل هو الأبيض الخالص. قاله الأعرابى، وقال الكسائى: هو الذى فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر. صحيح مسلم بشرح النووى 17/ 185"