فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 215

وهناك رواية أخرى للحديث عند مسلم [1] ، وهنا يحذر النبى - صلى الله عليه وسلم - من صنيع هؤلاء ومسلكهم بعبارة موجزة مركزة أحال فيها على القرآن حين قال:"فأولئك الذين سمى الله"، وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما ذكر ابن إسحاق في تأويلهم للحروف المقطعة، وأن عددها بالجمل مقدار مدة هذه الأمة، وأول ما ظهر في الإسلام من الخوارج، فالحديث من معجزات النبوة فوق أنه تفسير لمعنى الآية؛ حيث ظهرت هذه النابتة فيما بعد حتى يومنا هذا."والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور" [2]

وتفسير النبى - صلى الله عليه وسلم - للآية موجه إلى صنف معين من الناس في قلوبهم زيغ، وهم أهل البدع الذين يطلبون الفتنة والضلال للناس في دينهم، ويرومون تأويل القرآن بما تشتهيه أنفسهم بعيدًا عن هدى كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - [3] .

وفيما يتعلق بإخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يحذر من منع الزكاة، ويبين جزاء من بخل بالمال، ولم يعط للسائل والمحروم حقه المعلوم، فقال - صلى الله عليه وسلم:"من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعًا أقرعًا له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعنى بشدقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (ال عمران: 180) [4] "

وهنا التفسير النبوى بيان زاجر ورهيب وتفصيل لما أجمل في الآية، فالآية بينت أن الباخلين بما آتاهم الله من فضله سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة، ولكن لم تبين كيفية هذا التطويق، فجاء البيان النبوى بتصويره الدقيق المعبر ليوضح أن هذا المال سيمثل في صورة حية ذكر، أو في صورة حية مطلقًا، وعبر عنها هنا بالشجاع ولم يقل حية لأجل مناسبة الصورة المرعبة الزاجرة، و ليس أى شجاع، بل هو أقرع لا شعر على رأسه لشدة غضبة و كثرة سمه، و طول عمره، هل

(1) = باب النهى عن اتباع متشابه القرآن 16/ 217, وقد أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة. ويراجع شرح الطيبى 1/ 344, وتحفة الأحوذى 8/ 271

(1) بلفظ"فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم".

(2) وقيل في معناه نحو عشرة أقوال أخرى تراجع في صحيح مسلم بشرح النووى 16/ 217, وفتح البارى 8/ 60

(3) ويراجع الكشاف للزمخشرى في تفسير هذه الآية 1/ 366

(4) أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة في كتاب التفسير - باب قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم ... ) الآية ح (4380) 8/ 80، وأخرجه أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود ويراجع شرحه وتخريجه في تحفة الأحوذى 8/ 289

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت