وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة: 143) [1] أراد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن يبين أن أمته هى الأمة الوسط التى تشهد للأنبياء يوم القيامة، ولقد فسر الآية من خلال وصف مشهد من مشاهد يوم القيامة يخص نوحًا عليه السلام أول الرسل إلى الأرض، وكأن النبى يريد أن يقول: إن شهادة هذه الأمة بالتبليغ تبدأ مع رسالات السماء إلى الأرض، وتشمل كل الرسل [2] ، فهم الآخرون السابقون وفى ذلك أيضًا بيان لتبليغه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الأمة إنما عرفت ذلك من الوحى، ولقد زاد أبو معاوية:"فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا"وهنا إشارة إلى مدح هذه الأمة حيث إن الرسول سيكون عليهم شهيدًا، والكلام وارد في مدح الأمة، فالغرض هنا أن يزكيهم فضمن"شهد"معنى"رقيب"لأن العدول تحتاج إلى رقيب يحفظ أحوالهم ليطلع عليها ظاهرًا وباطنًا فيزكيهم، ولما كانوا هم العدول من بين سائر الأمم خصهم الله تعالى بكون الرسول عليهم شهيدًا، أى رقيبًا ومزكيًا وهذا لا يدل على أنه لا يشهد على سائر الأمم مع أن مزكى الشاهد أيضًا شاهد [3] وفى قضية تلتبس على كثير من الناس، ويستغلها بعض أعداء الدين، والجاهلون بطبيعة اللغة والوحى وطبيعة القرآن وهى قضية المحكم والمتشابه أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يحذر من مسلك هؤلاء الذين يتبعون المتشابهات إما لجهل بالدين أو غرض سئ دفين في نفوسهم، فقرر ذلك من خلال تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (ال عمران: 7) تقول عائشة: قال رسول الله بعد أن تلا هذه الآية:"فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" (4)
(1) أخرجه البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى - كتاب التفسير - باب قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا ... ) - ح (4306) - فتح البارى 8/ 21, وأخرجه الترمذى في أبواب التفسير - ح (3140) ، وفى تحفة الأحوذى ذكر أنه قد أخرجه أيضًا أحمد والبخارى والنسائى وغيرهم 8/ 239
(2) ولقد جاء بسند جيد عن أبى بن كعب في قوله تعالى: (لتكونوا شهداء ... ) وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، كانوا شهداء على قوم نوح، وقوم صالح، وقوم شعيب، وغيرهم أن رسلهم بلغتهم، وأنهم كذبوا رسلهم. وقال أبو العالية: وهى قراءة أبى. فتح البارى 8/ 22 (3) انظر شرح الطيبى على المشكاة 10/ 190,189
(3) متفق عليه. أخرجه البخارى - كتاب التفسير - باب (منه آيات محكمات) ح (3664) 8/ 59 ومسلم - كتاب العلم =