فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 215

وإلى مثال آخر لموضوع آخر [1] وهو موقف من مواقف بنى إسرائيل من سجلهم الحافل

بالقتل والخيانة، والتحريف والتبديل، فلقد روى أبو هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"قيل لبنى إسرائيل { ... ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ... } (البقرة: 58) فدخلوا يزحفون على أستاهم فبدّلوا، وقالوا: حبة في شعرة" [2]

إن الله أمرهم أن يدخلوا من باب بيت المقدس، وأمرهم بالسجود عند الباب شكرًا وتواضعًا لله، وأن يسألوه المغفرة، فـ"حطة"فعلة من الحط كالجلسة والركبة، وهى خبر لمبتدأ محذوف: أى مسألتنا حطة، أو أمرك حطة، والأصل: النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات" [3] فبدّل يهود في الأقوال والأفعال، فلقد أمرهم الله أن يدخلوا من الباب سجدًا فدخلوا يزحفون على أستاهم، وأمرهم أن يسألوه أن يحط عنهم ذنوبهم فبدلوا القول بحبة في شعرة على سبيل الاستهزاء. وكأن الحبيب - صلى الله عليه وسلم - بإشارته الموجزة إلى مخالفة بنى إسرائيل لأمر الله بالقول والفعل أراد أن يبين أن التبديل والتحريف دأبهم وديدنهم، وأن العصيان ومخالفة أمر الله طبعهم وخلقهم، فلا عجب أن يحرفوا التوراة جحودًا وإنكارًا لنبوة النبى - صلى الله عليه وسلم -، ولا عجب أن يكتبوا الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ويحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، ولا عجب في مخالفتهم أمر الله، فهم قتلة الأنبياء، ومبدلوا تعاليم السماء، وهذا ما أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يلفت الأنظار إليه من حال اليهود في التحريف والتبديل، والعصيان لأمر الله، وذلك من خلال تفسيره لهذه الآية الكريمة بعبارته الموجزة"دخلوا يزحفون على أستاهم فبدلوا، وقالوا:"حبة في شعرة". وفى موضوع آخر، وهو وسطية الأمة وشهادتها على الأمم يقول - صلى الله عليه وسلم:"يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًًا، فذلك قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"

(1) راعيت هنا ترتيب الأمثلة التى انتقيتها على حسب ما جاءت في صحيح البخارى لأنه ذكر التفسير النبوى على ترتيب سور القرآن فليتأمل!

(2) أخرجه البخارى - كتاب تفسير القرآن - باب قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم ... ) الأية - ح (4298) 8/ 14, ومسلم - كتاب التفسير - 18/ 152, والترمذى في أبواب تفسير القرآن - سورة البقرة - ح (3132) ، وفى تحفة الأحوذى ذكر أنه أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقى 8/ 234

(3) ينظر الكشاف 1/ 171

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت