العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التى تفصل بين الشيئين وإنما هى التى تجئ بمعنى التفصيل كما في قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} (الرحمن: 68) ، ولقد امتن الله على رسوله بها، وبين النبى - صلى الله عليه وسلم - أنها السبع المثانى [1]
وهذا الحديث فيه من البلاغة والإيجاز ما فيه، فلقد خص الفاتحة بهذه المنزلة لأنها من المثانى على معنى اشتمالها على أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وجمعت بين العبادة وطلب الاستقامة، والحديث عن الآخرة ... ، فجمعت من أصول الدين ما أهلها لأن تكون أم القرآن كما جاء في أسمائها.
ويرى الطيبى"أن هذه المنزلة لأنها أبدًا تدعو بوصفها المعجز، وغرابة اللفظ، وغزارة المعنى إلى الثناء عليها، ثم من يتعلمها ويعمل بها. ولقد ذكرها هاهنا بوصفين"السبع المثانى والقرآن العظيم"، وليس هذا من عطف الشئ على نفسه فهو غير جائز، وإنما هو من باب ذكر الشئ بوصفين: أحدهما: معطوف على الآخر، والتقدير: إتيان ما يقال له السبع المثانى والقرآن العظيم: أى الجامع لهذين النعتين، والسبع المثانى بيان لعدد آياتها، وأما عطف القرآن على السبع المثانى فمن باب عطف العام على الخاص تنزيلًا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، وإليه أومأ صلوات الله عليه بقوله:"ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن"حيث نكر السورة وأفردها ليدل على أنك إذا تقصيت سورة سورة في القرآن وجدتها أعظم منها" [2]
فما أروع البيان النبوى في دقته، وتركيز عبارته، وإيجازه. إن التفسير النبوى للقرآن ليس مجرد بيان للمعنى الحرفى للكلمة أو الآية، بل هو بيان نبوى للبيان القرآنى، وإن شئت قلت: بيان المعجز بالمبدع. ولقد لاحظنا الإيجاز ودقة العبارة وما تحمله من معانى في قوله - صلى الله عليه وسلم:"الحمد لله رب العالمين هى السبع المثانى، والقرآن العظيم الذى أوتيته"وقد اتضح لنا لم خصت الفاتحة بهذه المنزلة.
(1) اختلف العلماء في سبب تسميتها بالمثانى، فقيل: لأنها تثنى في كل ركعة: أى تعاد، وقيل لأنها يثنى بها على الله تعالى، وقيل لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على قبلها، ولقد أراد بها السورة، ولو أراد"الحمد لله رب العالمين"الآية لم يقل:"هى السبع المثانى"لأن الآية الواحدة لا يقال لها سبع، فدل على أنه أراد بها السورة، والحمد لله من أسمائها. وينظر فتح البارى 8/ 9,8
(2) يراجع شرح الطيبى على المشكاة 4/ 270,269