فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 215

كلام الرسول نص قاطع، ولكنه ترك تاريخ الإنسانية يفسر كتاب الإنسانية، فتأمل حكمة ذلك السكوت فهى إعجاز لا يكابر فيه إلا من قلع مخه من رأسه" [1] "

وكلام الرافعى غنى عن التعقيب غير أن مما تجدر الإشارة إليه أن التفسير النبوى - على قلته - لا يقتصر على تفسير آيات في موضوع واحد، بل نراه متنوع في موضوعات

مختلفة، ففى بعض المواضع نراه يفسر آية ليبين فضل سورة من سور القرآن، وفى موضع آخر يفسر آية تتصل بالقصص القرآنى ليبين موقفًا من مواقف بنى إسرائيل أجمله القرآن، وفى موضع آخر يفسر آية تتصل بمشهد من مشاهد يوم القيامة، أو آية تتصل بحياة البرزخ، أو النعيم في الجنة، أو العذاب في النار، أوتتصل بالصلاة أوالزكاة والإنفاق في سبيل الله، أوبالعقيدة وتوحيد الله عز وجل، أو بالأنبياء السابقين وأقوامهم، أوتتصل بالقضاء والقدر، أو غير ذلك، وهى أمور من أسس الدين وقواعده، وكأن هذا التفسير النبوى إنما وجه إلى وجهة محددة في موضوعات معينة لتفسير آيات محددة تمس الحاجة إلى بيانها لأنها تتصل بالعقيدة، أوبالعبادات، أو بالأخلاق، أو غير ذلك. ومن يراجع التفسير النبوى في الصحيحين وغيرهما من كتب السنن يلاحظ هذه النتيجة بشكل واضح.

أما فيما يتعلق بالأسلوب النبوى في التفسير، فيلاحظ أن خصيصة الإيجاز بارزة فيه في كل المواضع، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - آثر التفسير بكلمات محددة معدودة حتى يسهل على المسلمين فهمها وحفظها؛ وذلك مراعاة منه لمقتضى حال المخاطبين، كما يلاحظ التركيز في العبارة النبوية في هذه الناحية، ومن ذلك ما رواه سعيد بن المعلى رضى الله عنه قال: كنت أصلى في المسجد فدعانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله كنت أصلى، فقال:"ألم يقل الله { ... اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ... } (الأنفال: 24) ثم قال:"لأعلمنك سورة هى أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، ثم أخذ بيدى، فلما أن أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هى أعظم سورة في القرآن، قال:" {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هى السبع المثانى، والقرآن العظيم الذى أوتيته" [2] "

فالنبى - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أراد أن يبين أن ثواب فاتحة الكتاب أعظم من غيرها، وفسر قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر: 87) بأن السبع المثانى هى فاتحة الكتاب لأن آياتها سبع آيات، وقوله"والقرآن العظيم"دليل على أن الفاتحة هى القرآن

(2) أخرجه البخارى - كتاب تفسير القرآن - باب ما جاء في فاتحة الكتاب - ح (4293) - فتح البارى 8>7,6

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت