"قولهم: نزلت الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب كما تقول: عنى بهذه الآية كذا" [1]
وقال الزركشى:"قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فهومن جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع" [2] . وبحثنا هنا يرمى إلى التفسير النبوى الذى صدر من النبى - صلى الله عليه وسلم - قولًا صريحًا في الآية لبيان معناها أو ما يدخل في معناها [3] ، وقد أحصيت عدد هذه الأحاديث فى (صحيح البخارى) [4] فوجدتها ستين حديثًا أو ما يقرب من ذلك، ولا تتجاوزهذا العدد، وهذا يؤكد ما ذكره السيوطى وغيره من أن الذى صح من التفسير النبوى للقرآن قليل جدًا، ومن ذلك ما أحصيته في صحيح البخارى [5] ، أما عن مسلم فيتفق مع البخارى في بعض أحاديث التفسير النبوى لكنه لم يجمعها في كتاب التفسير من صحيحه كما فعل البخارى ولكن فرقها في أبواب مختلفة من صحيحه نظرًا لاختلاف منهج التبويب والترجمة عنده كما سبق، وكتاب التفسير في صحيحه لا يتجاوز السبع عشرة صفحة كما سبق. ويبدو أن قلة التفسير النبوى لحكمة أرادها الله عز وجل، وهى أن يظل القرآن الكريم كتابًا مفتوحًا مع الزمن. وعن ذلك يقول الرافعى:"قد ثبت أن رسول الله قد قبض ولم يفسر من القرآن إلا قليلًا جدًا، وهذا وحده يجعل كل منصف يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ إذ لو كان - صلى الله عليه وسلم - فسر للعرب بما يحتمله زمنهم، وتطيقه أفهامهم لجمد القرآن جمودًا تهدمه عليه الأزمنة، والعصور بآلاتها ووسائلها، فإن"
(1) ينظر مقدمة في أصول التفسير ص 48
(2) يراجع البرهان 1/ 32
(3) وهو بيان القرآن بالقول من النبى صلى الله عليه وسلم، وليست هذه الأحاديث بكثيرة كما ذكر بعض الباحثين. ينظر التفسير النبوى للقرآن ص 39 للشيخ سلمان العودة. والكلام هنا فيما صح من أحاديث التفسير النبوى للقرآن. أما ما جاء عن الصحابة من التفسير، وفى أسباب النزول فقد صح منه الكثير. ويراجع كتب التفسير في الكتب الستة.
(4) وهذا لا ينفى صحة الأحاديث الأخرى في كتب السنن، فبعضها روايات أخرى لنفس الأحاديث الموجودة في الصحيحين وبعضها غير موجود في الصحيحين مع صحتها، ولكنى آثرت الاعتماد على الصحيحين وحدهما نظرًا لأن البخارى ومسلمًا مقدمان على غيرهما في التصحيح كما هو معلوم، كذلك لدقة البخارى في التبويب والترجمة من جهة أخرى، وهذا أمر معلوم عند أهل الشأن.
(5) يراجع في ذلك مقدمة في أصول التفسير ص 58, والبرهان 2/ 156, والإتقان 2/ 179
(5) يراجع إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص 10