ذريعة إلى مأكلهم لا يميزون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، سماعون للكذب أكالون للسحت [1]
ويكمل هذا الحديث حديث آخر وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله يبغض البليغ من الرجال الذى يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها" [2] "والذى يتخلل بلسانه: هو الذى يتشدق في الكلام، ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًا" [3]
فهذه الأحاديث وغيرها تذم التكلف في الكلام، والمبالغة فيه بالتقعير والتشدق والتصنع إظهارًا للفصاحة والقوة في الكلام، وقد جاء التمثيل بالبقرة من الدواب على سبيل الذم لهذا الفعل، وبين أن هذا التكلف والتعالى على الناس بتفخيم الكلام باللسان مما يبغضه الله.
وبهذا يكون البيان النبوى قد وضع حدودًا عامة، وخطوطًا عريضة للبيان الحسن المقبول ووضع علامات يعرف بها التكلف في الكلام.
ويقول ابن القيم وهو يتحدث عن هديه - صلى الله عليه وسلم - في حفظ المنطق، واختيار الألفاظ:"كان يتخير في خطابه، ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأجملها وألطفها، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش، فلم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولاصخابًا ولا فظًا، وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك، وأن يستعمل اللفظ المهين المكروه في حق من ليس من أهله" [4]
(1) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 9/ 107
(2) أخرجه أبو داود والترمذى من حديث عبد الله بن عمرو. وقال الترمذى: حسن غريب. المشكاة ح (4800) 9/ 107 قال القاضى: شبه إدارة لسانه حول الأسنان والفم حال التكلم تفاصحًا بما تفعل البقرة بلسانها. والباقرة: جماعة البقر، واستعماله بالتاء قليل. يراجع شرح الطيبى 9/ 107, وعون المعبود ح (4995) 13/ 237
(3) ينظر تفصيل ذلك وأمثلته في زاد المعاد 1/ 320 - 325
(4) ويدل على هذه العناية ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عدى بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبى صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله". قال القاضى:"والصواب في سبب النهى أن الخطب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا ليفهم ..."ينظر صحيح مسلم بشرح النووى - باب صلاة الجمعة وخطبتها 6>160,159