أما ما جاء في الجانب الآخر و هو ذم التكلف في الكلام، وفى طريقة أدائه فلقد قال رسول الله صلى الله عليه:"هلك المتنطعون"قالها ثلاثًا [1] والمتنطعون: هم المتعمقون الغالون في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام [2] والأصل في المتنطع: الذى يتكلم بأقصى حلقه مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى، وردد القول ثلاثًا تهويلًا وتنبيهًا على ما فيه من الغائلة، وتحريضًا على التيقظ والتبصر دونه، وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان والمتكلفين في القول الذين يرومون بسبك الكلام سبى قلوب الرجال. وكما يقول الطيبى:"لعل المذموم من هذا ما يكون القصد فيه مقصورًا على مراعاة اللفظ ويجئ المعنى تابعًا له، وأما إذا كان العكس فيرفع الكلام إلى الدرجة القصوى" [3] وفى الحديث"إن أحبكم إلىّ وأقربكم منى يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلىّ وأبعدكم منى مساويكم أخلاقًا الثرثارون المتشّدقون المتفيهقون" [4] والثرثارون: هم الذين يكثرون الكلام تكلفًا وخروجًا عن الحق. والثرثرة كثرة الكلام وترديده والمتشدقون: هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: أراد بالمتشدق: المستهزئ بالناس يلوى شدقه لهم وعليهم. والمتفيهقون: هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع. يقال: فهقت الأناء ففهق فهقًا، وبئر مفهاق: كثير الماء ولقد جاء تفسير المتفيهقين في حديث آخر بالمتكبرين، فلقد روى الترمذى نحوًا من حديث جابر رضى الله عنه، وفى روايته قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال:"المتكبرون" [5] وقال - صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقربألسنتها" [6] فسائر الدواب تأخذ من نبات الأرض بأسنانها، والبقرة بلسانها، فضرب بها المثل ليبين أنهم في مغزاهم ذلك كالبقرة التى لا تستطيع أن تميز في رعيها بين الرطب والشوكة، وبين الحلو والمر، بل تلف الكل بلسانها لفًا، فكذلك هؤلاء الذين يتخذون ألسنتهم
(1) رواه مسلم من حديث ابن عمر. المشكاة ح (4785) 9/ 97
(2) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 16/ 220
(3) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 9/ 97
(4) أخرجه أحمد في المسند، ورواه البيهقى في شعب الإيمان من حديث أبى ثعلبة الخشنى. وإسناده منقطع، فإن مكحولًا لم يسمع من أبى ثعلبة. المشكاة ح (4797) 9/ 105 وقد ذكر الألبانى أن هذا الانقطاع ينجبر بمجئ الحديث من طرق أخرى. راجع السلسلة الصحيحة 2/ 378 - 380
(5) رواه الترمذى من حديث جابر وقال: حسن غريب من هذا الوجه ويراجع تحفة الأحوذى ح (2087) 6>136,135, ومشكاة المصابيح ح (4798) 9/ 106, والسلسلة الصحيحة ح (791) 2/ 418, 419
(6) رواه أحمد من حديث سعد بن أبى وقاص، وقد ذكر الألبانى أن الحديث حسن يشواهده أو صحيح 1/ 106