إبراهيم )) -سورة الأنبياء/69 - فهذا يعني أن النار فيها خاصية الإحراق، لكن تدخل االإرادة الإلهية عطل خاصيتها المجبولة عليها إلى حين من الزمن، في حق نبي الله إبراهيم عليه السلام.
و ذكر شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية أن الذين أنكروا الأسباب و طبائع المخلوقات و غرائزها، قولهم على خلاف الكتاب و السنة، لقوله تعالى: (( و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، و بث فيها من كل دابة ) )-سورة البقرة/163 - 164 - و (( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) )-سورة النمل/88 - و قد قيل: (( تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب و القوى و الطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم ) ) [1] .فعلى العبد أن يعلم أن علم الله و قدرته و حكمته و رحمته، في غاية الكمال الذي لا يُتصور زيادة عنها، و الناس متفاوتون في العلم بذلك؛ و كلما ازداد العبد علما بحقائق الأمور ازداد علما بحكمة خالقه وعدله، و رحمته و قدرته، لأنه تعالى لا يخلق شيئا إلا لحكمة، لقوله: (( الذي أحسن كل شيء خلقه ) )-سورة السجدة/7 - و (( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) )-سورة النمل/88 - و لا يعلم تفاصيل بعض حِكَمه إلا القليل من الناس، منها ما يعجز عن معرفته جميع الخلق، بما فيهم الملائكة، فحين تساءلوا عن خلق أدم -عليه السلام- قال لهم الله تعالى: (( إني أعلم ما لا تعلمون ) )-سورة البقرة /30 - و من أنكر تأثير الأسباب، و قال أن الله يفعل عندها لا بها -أي مجرد اقتران دون تأثير متبادل- فقد خالف ما جاء في القران الكريم، و جحد ما خلقه الله من القوى و الطبائع، و من جعل الأسباب هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله و أضاف فعله إلى غيره [2] .
و يرى المحقق ابن قيم الجوزية أن الكون كله مظهر للحكمة الإلهية، تقصر عقول العالمين- بعلومهم و حِكمهم- عن الإحاطة بتفاصيلها في أصغر المخلوقات. و في العبادات حِكم و أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على جهة التفصيل، و إن أدركتها جملة [3] .و قد جعل سبحانه و تعالى مصالح (( العباد في معاشهم و معادهم، و الثواب و العقاب، و الحدود و الكفارات، و الأوامر و النواهي، والحل و الحرمة، كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها ) )،و شرعه و مقاديره كلها أسباب و مسببات [4] .
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج 8 ص: 137، 514.
(2) ابن تيمية: نفسه ج 8 ص:514.و الرسالة التدمرية، الجزائر دار الشهاب 1989، ص:92.
(3) ابن القيم الجوزية: شفاء العليل ص:314.و مختصر الصواعق المرسلة، حققه جامع رضوان، بيروت، دار الفكر، 1979،ج 1 ص:298 - 299.
(4) نفس المصدر ص: 315.