جماعة من رافضة صنعاء المخالفين لمذهب آل البيت، و جالوا و صالوا و (( تعصبوا و تحزبوا، و أجابوا بأجوبة ليس فيها إلا محض السباب و المشامتة، و كتبوا أبحاثا نقلوها من كتب الإمامية و الجارودية ) )، فأحدث هذا الكتاب فتنة بين الناس. و قال الشوكاني إنه لم يقصد بكتابه هذا إلا الذب عن أعراض الصحابة الذين هم خير القرون، مقتصرا على أقوال أئمة أهل البيت، ليكون ذلك أوقع في نفوس من يكذب عليهم [1] .
حدثت في تاريخنا الإسلامي عدة وقائع أُحرقت فيها كُتب المخالفين تعصبا عليهم و انتصارا للمذهب، فكان ذلك مظهرا من مظاهر التعصب المذهبي، أذكر منها-أي حوادث الحرق- ما يأتي: أولها ما حدث لكتب أبي محمد بن حزم الأندلسي (ت 456 ه) ، فبسبب الخصومة التي كانت بينه و بين فقهاء المالكية بالأندلس جعلتهم -أي الخصومة- يمقتوه و يحرقون كتبه علانية، حتى قال ابن حزم في ذلك: فإن يحرقوا القرطاس، لا يحرقوا الذي تضّمنه القرطاس، بل هو في صدري [2] .
و ثانيها ما حدث لكتب الباطنية و المعتزلة، و الشيعة و الفلاسفة بمدينة الري سنة 420 هجرية، و ذلك لما أظهر هؤلاء الكفر البواح، و سبوا الصحابة، و استحلوا المحرمات، تصدى لهم والي خُراسان الأمير أمين الملة أبو القاسم محمود، فشرّدهم و قتلهم، و أحرق كتبهم أمام الناس، من بينها كُتب زعيم هؤلاء: رستم بن علي الدليمي، التي قُدّرت بخمسين (50) حملا من الكتب [3] . و الذي فعله هذا الأمير هو تعصب للحق و ليس للباطل، لأن ما أظهره هؤلاء الضالون هو خطر على دين الإسلام و أمته، فاصبح على المسلمين من الواجب عليهم التصدي لهم و قطع شأفتهم.
و الحادثة الثالثة ما جرى لكتب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت 505 ه) بالمغرب الإسلامي زمن دولة المرابطين (451 - 541 ه) ، و ذلك أن السلطان علي بن يُوسف بن تاشفين أمر بإحراق كتب الغزالي، و هدد بفتل و مصادرة أموال كل من وُجدت عنده مصنفات الغزالي أو بعض منها [4] . و كان القاضي عياض (544 ه) من بين الذين طالبوا بحرق كتب الغزالي، و يبدوا
(1) الشوكاني: البدر الطالع، ج 1 ص: 233.
(2) ابن حجر: لسان الميزان، ج 4 ص: 200.
(3) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 40.
(4) ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 6 ص: 227. و عبد الواحد المراكشي: ... المعجب في تلخيص أخبار المعرب، حققه سعيد العريان، ط 1، القاهرة مطبعة الاستقامة، 1368، ... ، ج 1 ص: 172 ,