فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 180

و بذلك يتبين أن التعصب المذهبي أوصل بعض المتمذهبين إلى الكذب على رسول الله -عليه الصلاة و السلام- تعصبا لإمامهم و انتصارا لمذهبه.

و ثامنا إن ما قاله الشيخ محمد الحامد في قوله بلزوم تقليد المذاهب الأربعة حسما للفوضى الدينية، هو تبرير ضعيف جدا، لأن التمذهب بالمذاهب الأربعة هو نفسه تكريس للتشرذم و الانقسام و الفوضى الدينية، و ألم يُؤد ذلك إلى حدوث الفتن و المصادمات، و قد ذكرنا طرفا منها في الفصل الأول؟. كما أن دعوته المغلفة بثوب الحرص على الوحدة، هي دعوة لا حقيقة لها، لأن دعوته نفسها هي تكريس للفرقة و التمزق و التناحر. هذا فضلا على أنها تخالف النصوص الشرعية التي تحث على الاجتهاد، و قد أعطت الشريعة للمجتهد المصيب أجرين، و أعطت للمخطئ أجرا واحدا، و لم تمنعه من الاجتهاد لأنه أخطأ، لأن الخطأ طريق إلى الصواب.

و نحن إذا منعنا الاجتهاد نكون قد حكمنا على أنفسنا بالبقاء منقسمين متشرذمين مختلفين تتجاذبنا أربعة مذاهب، و نكون قد حرمنا الأمة من أن تراجع نفسها لتعود إلى وحدتها و تتخلّص من انقساماتها و اختلافاتها، و لكي يتحقق ذلك لا بد لنا من الاجتهاد العلمي النزيه الذي يجمع القلوب و يحرر المسائل العلمية المختلف فيها تحريرا علميا صحيحا.

و يًُستنتج مما ذكرناه في مبحثنا هذا، أن ظاهرة التفاضل بالأئمة و مذاهبهم، كانت مظهرا من مظاهر التعصب المذهبي المذموم في كثير من جوانبها، أوصلت المتمذهبين إلى المبالغة في تعظيم أئمتهم و التعصب لهم، الأمر الذي فتح عليهم بابا من أبواب الفتن و الشرور. و قد أصاب الفقيه حسن صديق خان عندما قال: إن الكلام على ترجيح فقه إمام و مذهبه على فقه إمام آخر و مذهبه، ليس من العلم في شيء، و (( أكثر من اُبتلي بأمثال هذه الخرافات هم المقلدون للمذاهب و المتمذهبون ) )، و الحق عدم الترجيح، و أصوبها و (( أشرفها ما كان موافقا للكتاب و السنة، بعيدا عن شوائب الآراء و المظنة ) ) [1] .

ثانيا: الغلو في العقائد و المذاهب:

أوصل التعصب المذهبي كثيرا من الطوائف الإسلامية إلى الغلو و التطرف، و تجاوز الحدود الشرعية و العقلية، بما اعتقدته من أصول و مذاهب باطلة، و ميزاننا في تمييز ذلك و معرفته هو الاعتماد على النقل الصحيح، و العلم الصحيح، و العقل الصريح؛ فمن ذلك الغلو: الغلو

(1) القنوجي حسن خان: أبجد العلوم، حققه عبد الجبار زكار، بيروت، دار الكتب العلمية، 1987، ج 3 ص: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت