بخلاف ذلك. و الثاني هو أيضا ضُرب بالسياط، و طيف به في الشوارع، و لم يقل بخلق القرآن [1] .
و منهم أيضا المحدث أحمد بن نصر الخزاعي البغدادي (ت 231 ه) ، إنه أنكر على الخليفة الواثق (227 - 232 ه) قوله بخلق القرآن، و ما هو عليه من الفواحش، ثم كوّن - أي ابن نصر- جماعة سرية للخروج على الخليفة الواثق، فلما اكتشف أمره قتله شر قتلة، و علّق رأسه يالجانب الشرقي من بغداد. و قد ترّحم عليه أحمد بن حنبل و قال فيه: (( ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له ) ). و عندما قيل له-أي لأحمد-: صبرتَ، قال: (( أنا ما صبرت، لكن الذي صبر أخي أحمد بن نصر، و ذاك أنهم أغلظوا له القول، فأغلظ لهم، فضربوا عنقه، و ما خافهم ) ) [2] . فهذه مواقف مشرفة، لم يقفها أحمد بن حنبل نفسه، باعترافه هو شخصيا.
و ثانيها -أي المعطيات- هي إن الله تعالى أعز الإسلام بأحمد و بغيره من المسلمين، و ليس ذلك خاصا بالصديق و لا بأحمد، و قد نصر الله تعالى دينه بعباده الصالحين قبل أحمد و في زمانه و بعده؛ و قد تعرّض المالكية بالمغرب الإسلامي لمحنة خطيرة و فتنة مدمرة على يد العبيديين الإسماعيليين، فقتلوا منهم الآلاف، و أخذوا كثيرا منهم إلى دار النحر و خيّروهم بين التبرؤ من الصحابة أو الموت فاختاروا الشهادة و صبروا و صمدوا، عندما نحروهم كالكباش. أليس ما حل بهؤلاء هو أكبر بكثير مما حدث في محنة خلق القرآن؟.
و ثالثها إن مجال المقارنة بعيد بين عمل أبي بكر الصديق-رضي الله عنه- و بين ما قام به أحمد بن حنبل، فالصديق واجه ردة و كفر العرب بشكل جماعي عرّض الإسلام و المسلمين لخطر داهم قد ينهي وجودهم كلية، و هذا لم يحدث في حالة أحمد بن حنبل، فلم يُواجه ردة و لا كفرا جماعيا، و إنما الذي حدث هو أن الخليفة المأمون و أصحابه، فرضوا على الأمة القول بفكرة لها علاقة بصفات الله تعالى، سعوا إلى فرضها على الرعية بالقوة، فأنكر عليهم كثير من العلماء، كان أحمد من بينهم؛ فهو لم يكن وحيدا في المواجهة و الصمود، و لا هو الذي رفع محنة خلق القرآن، فإن الذي رفعها هو الخليفة المتوكل (ت 232 - 247 ه) [3] .
و خامسا يجب أن لا يغيب عنا أن الله تعالى لم يلزمنا إتباع إلا كتابه و سنة رسوله الصحيحة، و لم يتعبدنا إلا بهما؛ فنحن لسنا مُلزمين بإتباع أي إنسان كائن من كان، فكل إنسان يُؤخذ من كلامه و يُرد إلا النبي -عليه الصلاة و السلام. و أما حكاية الأعلم و الأزهد، و الأعبد و الأشجع، التي ذكرها المتمذهبون المتعصبون، فهي مقاييس لا دخل لها مطلقا في مسألة الإتباع من عدمه. و عليه فإن ما تذرّع به المتمذهبون المتعصبون في أن أئمتهم هم الأفضل و الأعلم و الأعبد، هي ذرائع مرفوضة، لأن الشرع أمرنا بالرد إلى الله و رسوله عند التنازع (( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا ) )- سورة النساء / 59 - .و قال لنا: (( افَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) )- سورة النحل / 43 - فأمرنا بسؤال أهل الذكر إن كنا لا نعلم، و لم يأمرنا بتقليدهم و التزام أقوالهم، و التعصب لها. و قد كان أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- أفضل الصحابة مكانة و أكثرهم علما، و لم يقل للصحابة قلدوني و التزموا أقوالي لأني أفضلكم، و هم أيضا ما ادعوا فيه ذلك، و خالفوه في مسائل كثيرة، نجدها في كتب الفقه و التاريخ.
و سادسا إن ما قاله بعض كبار العلماء كابن الصلاح، و النووي في وجوب التقليد و التضييق على المجتهدين، هو قول مبالغ فيه جدا، و لا مبرر صحيح له، فلا داعي لهذا التضييق على أهل العلم، شرعا و لا عقلا، لأن الشرع قد ذم التقليد وأمرنا بإتباع الكتاب و السنة، و لم يلزمنا بإتباع أحد من الناس. و تقليدنا للأئمة الأربعة مخالف لمنهاجهم في الاجتهاد، و هم قد نهونا عن تقليدهم. و أية فائدة من التقليد؟ إنه تربية على العجز و الجمود و السلبية، وإبعاد للناس عن الكتاب و السنة، و ربطهم بأقوال الرجال. و الشرع الحكيم قد حثنا على الاجتهاد و جعل للمصيب أجرين، و للمخطئ أجرا واحدا، فلماذا نحرم العباد من ذلك، و ندفعهم إلى التقليد دفعا؟ و لماذا نحرص و نحتاط لكي يلتزم الناس بتقليد أئمتهم، و لا نفعل ذلك معهم للعمل بالقرآن و الحديث لتكون لهم علاقة مباشرة بهما؟ إنه كان من الأولى أن يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام أهل العلم، في كل المجالات، ليتنافس في ذلك المتنافسون، في إطار آداب البحث و منهجيته.
و سابعا إن الحديثين اللذين ذكرهما الحنفية في مدح إمامهم أبي حنيفة، هما حديثان مختلقان [4] . و كذلك الحديث الذي ذكره القاضي عياض في مدح مالك بن أنس، فهو حديث ضعيف [5] .
(1) القاضي عياض: ترتيب المدارك، ج 1 ص: 269، 359.
(2) ابن كثير: المصدر السابق، ج 10 ص: 305. و أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 289.
(3) ابن كثير: نفس المصدر، ج 10 ص: 305.
(4) محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين، ص: 210.
(5) ناصر الدين الألباني: ضعيف الجامع الصغير، رقم: 6448.