الحديث الصحيح إذا ما تعارض مع مذاهبهم، و يأخذون باجتهادات أئمتهم و يتركون الحديث، و هذه الظاهرة كانت منتشرة جدا زمن الفقيه المؤرخ أبي شامة المقدسي المتوفى سنة 665 هجرية. و قال أن المقلدين الشافعية في زمانه كانوا إذا جاءهم الحديث الصحيح احتالوا في دفعه بما لا ينفعهم، لأن الشافعي قد حثّ على ترك قوله إذ صحّ الحديث. حتى أن بعضهم كان يستجيز مخالفة قول الشافعي بقول آخر في مسألة أخرى بخلاف القول الأول، لكنهم لا يرون مخالفته-أي الشافعي- لأجل حديث رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، و قد حثهم إمامهم على ترك قوله و الأخذ بالحديث [1] .
و ذكر أن شافعية زمانه كانوا يتعصبون لكتب أبي حامد الغزالي، و أبي إسحاق الشيرازي، حتى و لو خالفت الحديث الصحيح الصريح. و كان أكثر متعصبة الشافعية يردون أقوال أكابر الصحابة، كأبي بكر و عمر -رضي الله عنهما-،و لا يردون قول الشيرازي و الغزالي، لقلة معرفتهم و كثرة جهلهم بمراتب السلف [2] .
و يتبين مما ذكرناه في هذا المبحث، أن ظاهرة الغلو و التطرف في العقائد و المذاهب وُجدت عند كل الطوائف الإسلامية عامة و الشيعة خاصة، الذين تجاوزوا -في غلوهم-حدود الشرع و العقل معا. فكان الذي أوصلها إلى ذلك الغلو، هو التعصب الأعمى للمذاهب، و إتباع الظنون و الأهواء و الشهوات، و عدم الالتزام بالنقل الصحيح، و لا بالعقل الصريح، و لا بالعلم الصحيح.
أثارت بعض المسائل الخلافية -الأصولية و الفروعية- كثيرا من التعصبات المذهبية بين الطوائف السنية الأربعة، خلال عصر التقليد و التعصب المذهبيين (ق: 4 - 14 ه) ، أذكر منها المسائل الآتية.
فبخصوص مسائل أصول الدين -التي أثارت التعصب- فمنها ثلاث مسائل، أولها مسألة الصفات، و هي قد تسببت في تعصبات كثيرة بين السنيين، تُبينها الشواهد الآتية: منها أنه لما ألف القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي البغدادي (ت 458 ه) كتابه إبطال التأويلات لأخبار الصفات
(1) أبو شامة: مختصر كتاب المؤمل، ص: 217، 218، 227، 230.
(2) نفسه، ص: 227، 230، 237.