، ردا على المتكلم الأشعري أبي بكر بن فورك (ت406ه) ،و أثبت فيه الصفات التي أولها ابن فورك، و زاد عليها صقاتا أخرى، احتج عليه الأشاعرة ببغداد، و اتهموه بتجسيم الله تعالى، و تشبيهه بمخلوقاته، فأحدث ذلك تعصبا بينهم و بين الحنابلة و أهل الحديث سنة 429هجرية، ثم تجدد النزاع سنة 432هجرية، فتدخل الخليفة القائم بأمر الله (422 - 467ه) و أصلح بينهما. ثم عاد الأشاعرة و احتجوا مرة أخرى على الكتاب، تعصبا لمذهبهم في الصفات، و كان ذلك سنة 445هجرية، فتدخل الخليفة ثانية و أصلح بين الطرفين في اجتماع جمعهما، انتصر فيه القاضي أبو يعلى و أصحابه [1] .
و الشاهد الثاني مفاده أن واعظا أشعريا جلس ذات يوم بجامع المنصور ببغداد (سنة 461ه) ، فتعصب على الحنابلة و أهل الحديث، و انتصر لمذهبه، و أشاد بفضل أبي الحسن الأشعري و من وافقه، و أوهم الحاضرين بأن هؤلاء-أي الحنابلة و أصحاب الحديث- يُشبهون صفات الله بصفات البشر، فقام إليه بعضهم و أنزلوه من على الكرسي، و عوّضوه برجل منهم [2] .
و الشاهد الثالث مفاده أن الخلاف المذهبي- في الصفات- بين الأشاعرة و أهل الحديث ولّد تعصبا شديدا بين الطائفتين، و جعل كل طرف يذم الآخر و يطعن فيه، فالأشاعرة و صفوا أصحاب الحديث بأنهم مُشبهة و مُجسمة، و جعلوهم ممن كاد للإسلام ن و وصفوهم أيضا بأنهم رعاع أوباش، مُبتدعة حشوية [3] . و أهل الحديث هم أيضا ذموا الأشاعرة بمختلف ألفاظ الذم و التشنيع، و اتهموهم بالتمويه على الناس، و شبّهوهم بالزنادقة، لأنهم يخفون مقالتهم في الصفات عن قوم، و يُظهرونها لآخرين [4] .
و الشاهد الرابع هو أن من مظاهر تعصب الأشاعرة على الحنابلة و أهل الحديث، هو التشنيع عليهم بإثبات صفات وردت في القرآن و السنة الصحيحة، فيقولون إن هؤلاء يُثبتون صفة النزول، و الاستواء على العرش، و الضحك، و تكليم الله لموسى، فينسبون إليهم كلام الله الذي وصف به نفسه، و هم -أي الحنابلة و أهل الحديث- لا يصلحون لذلك و لا يبلغونه [5] . حتى إن بعضهم قال عن الحنابلة - في إثباتهم لتلك الصفات- إنه (( ما بين شيوخ الحنابلة و بين اليهود إلا خصلة واحدة ) )، فردّ عليه الحافظ أبو نصر السجزي (ت444ه) بقوله: (( و
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 8 ص: 16، 104، 228. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 54. و أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 197، 198.
(2) أبو علي بن البناء: يوميات ابن البناء، نشرته مجلة الدراسات الشرقية بالمركز الفرنسي بدمشق، مج 19، 1957، ص: 15.
(3) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 310 و ما بعدها.
(4) ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 91. و أبو نصر السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد، ص: 51، 57. و الموفق بن قدامة المقدسي: مناظرة في القرآن، ص: 58.
(5) الموفق المقدسي: تحريم النظر في كتب أهل الكلام، نشره جورج مقدسي لندن، مطبعة لوزاك، ص: 58.و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 186.